
ليست كلُّ القسوةِ شرًّا. ففي صفحات التاريخ، كثيرًا ما كانت الصحراءُ مدرسةً للصبر، وكانت الجبالُ مصنعًا للإرادة، وكانت البحارُ امتحانًا يوميًّا للإنسان؛ إمّا أن ينجو بالحكمة والشجاعة… أو يبتلعه المجهول.
وقد أشار الباحث والعالم العراقي أحمد سوسة ذو الأصل اليهودي المسلم العروبي في بعض تحليلاته الاجتماعية والتاريخية إلى أثر البيئة القاسية في تشكيل الإنسان؛ فالمجتمعات الخارجة من شظف العيش كثيرًا ما تحمل معها روح المبادرة والإقدام حين أشار الى نزوح البدو الشرسين على اهل الترف من مدن الشام والعراق نزوحا من شظف العيش ونقص الماء في الجزيرة العربية عندما يفيض سكانها على مقدرة مصادرها، بينما تميل الأمم المستغرقة طويلًا في الترف إلى الركون والاعتماد على ما صنعه السابقون.
وهي الفكرة نفسها التي توسّع فيها ابن خلدون حين تحدّث عن دورة العمران، وكيف تنتقل الأمم من البأس إلى الحضارة، ثم من الحضارة إلى الترف، قبل أن تبدأ عوامل الضعف بالتسلل إليها من الداخل.
إنها ليست معركة مالٍ فقط، بل معركة روح. فحين يتحول الإنسان من صانعٍ للحياة إلى مستهلكٍ لها، ومن مجاهدٍ في بناء ذاته إلى متكئٍ على النعمة دون مسؤولية، يبدأ الخلل بالتشكل بهدوء؛ في التربية، وفي معنى الأسرة، وفي قيمة العمل، وفي قدرة المجتمع على حماية هويته من الذوبان.
لقد دخل النفط إلى كثير من المجتمعات فغيّر شكل الحياة بسرعةٍ هائلة، وانتقلت أممٌ كاملة من القسوة إلى الوفرة خلال جيلٍ واحد.
غير أن التحول المادي السريع لا يمنح بالضرورة مناعةً فكريةً أو نضجًا حضاريًا موازيًا؛ فالثروة قد تبني المدن، لكنها لا تبني الإنسان وحدها.
ومن هنا تبدأ الأسئلة الكبرى: كيف تحافظ الأمم على قوتها الأخلاقية وهي تعيش الرخاء؟ وكيف تمنع النعمة من أن تتحول إلى اتكالية؟ وكيف تُبقي أبناءها مرتبطين بمعاني الرجولة والشهامة وتحمل المسؤولية، لا بمعاني الاستهلاك والفراغ؟
إن بعض المجتمعات حين تفقد صلتها بجذورها، تصبح أكثر قابليةً للتأثر بأي موجةٍ فكريةٍ أو إعلاميةٍ أو اقتصاديةٍ قادمة من الخارج، حتى لو تعارضت مع منظومتها الثقافية أو الدينية.
وحين يغيب الوعي، تتحول الشعارات البراقة إلى أدوات لإعادة تشكيل الإنسان من الداخل دون أن يشعر.
أما في سلطنة عمان، فهناك توازنٌ تاريخيٌّ فريد بين الإنسان وبيئته؛ بين الجبل والبحر، وبين الصحراء والفلج، وبين السفر والتقوى، وبين الحكمة والعمل.
فالعُماني التاريخي لم تصنعه مدرسةٌ واحدة، بل صنعته الحياة نفسها:
* صنعته الجبالُ حين علّمته الصبر واتخذ من قممها قلاعا وبروج حرب ودفاع .
* وصنعه البحرُ حين علّمه المخاطرة والانفتاح وحملت اشرعتها كلمة التوحيد.
* وصنعته القريةُ حين غرست فيه معنى الجماعة والتكافل وخرج منها جامعياً مفكرا قادرا على شق طريق سائر متطلبات الحياة.
* وصنعه الفلجُ حين علّمه أن الماء رزقٌ مشترك لا يقوم إلا بالعدل والامانة في التقسيم.
* وصنعته الأسفارُ حين عرف العالم دون أن يفقد هويته وتسمت مجتمعات متقمصة جنسيته .
ولهذا ظلّت الشخصية العُمانية، عبر القرون، شخصيةً هادئةً لكنها عصيّة على الذوبان؛ لا تنجرف بسهولة، ولا تُستفز بسهولة، ولا تنسى جذورها مهما تغيّرت الأزمنة.
إن الحكمة في عُمان ليست شعارًا سياسيًا عابرًا، بل تراكمُ قرونٍ من التوازن بين الدين والحياة، وبين القوة والرحمة، وبين الأصالة والانفتاح.
ومن يقرأ التاريخ العُماني جيدًا، يدرك أن هذا الشعب لم يكن يومًا شعبَ ترفٍ خامد، بل شعبَ بحرٍ وهجرةٍ وكفاحٍ وتجارةٍ وعلمٍ ورباطٍ اجتماعي.
ولهذا بقي الاعتماد على الذات جزءًا من الشخصية العُمانية، لا مجرد خيارٍ اقتصادي.
إن الأمم لا تُحفظ بالقوة العسكرية وحدها، ولا بالمال وحده، بل تُحفظ حين يبقى فيها إنسانٌ يعرف من هو، ولماذا يعيش، وما القيم التي لا يبيعها مهما تبدلت المغريات.
وحين تبقى التقوى حيّةً في القلوب، تبقى الأوطان أكثر قدرةً على الثبات.
هكذا تبدو عُمان…بلدًا لا يرفع صوته كثيرًا، لكنه يعرف نفسه جيدًا. وإذا عرفت الأمم نفسها، صَعُب اقتلاعه



