مقالات

فلسفة الصمود: الذين صنعوا من الصعاب سلاحاً ومن الجبال حصوناً

زاهر بن سيف بن سلطان المسكري

في أرضٍ أخرى، قد يكون الترابُ مجردَ غبارٍ يُنفض عن الأقدام… أمّا في عُمان، فهو معنى. يراه العُماني بعينٍ لا تُدرَك بسهولة؛ عينٌ تعلّمت أن القيمة ليست فيما يُكنز، بل فيما يُغرس. لذلك لم يكن المالُ عنده غاية، بل وسيلة، ولم يكن الغِنى ما يملكه، بل ما يكونه.

ومن هنا، وُلدت تلك الروح التي حيّرت من لا يفهمها… كيف يُواجه إنسانٌ باروداً بسيف؟ نعم  سيف يواجه مدفعا وبندقية وكيف يتقدّم نحو الموت كأنّه يتقدّم نحو معنى؟

حين جاءت القوى البرتغالية إلى سواحل عُمان في القرن السادس عشر، كانت مدجّجةً بالمدافع والسفن والبارود، تمثّل آنذاك أحدث ما وصلت إليه القوة العسكرية في العالم. ولم تكن المواجهة متكافئة في ظاهرها… لكنّها كانت في باطنها صراعاً بين من يملك السلاح، ومن يملك الإرادة.

في ممرّات الجبال، وفي صعودٍ لا يحتمله إلا من اعتاد القمم، تقدّم رجال عُمان. لم ينتظروا المعركة في السهول حيث يتفوّق العدو، بل اختاروا الميدان الذي يُشبههم وذهبوا اليه : الجبل. هناك، حيث تضيق المسالك، وتختنق المدافع، ويتحوّل البارود إلى عبء… صعدوا بالسيوف، لا تهوّراً، بل فهماً لطبيعة الأرض، وإيماناً بأن من يعرف موطنه، يملك نصف النصر بل بلغ الأمر ان استخدموا سعون الماء الذي يشربون ويمخضون به الحليب بأن جعلوه آلة للغوص ساعدهم لإحراق السفن بمدافعها في خور مسقط.

ومن تخوم الوادي الكبير إلى قنتب، ومن الشطيفي والشعاب إلى الممرات الخفية، كانت الضربات تأتي من حيث لا يُتوقّع. لم تكن حرباً تقليدية، بل صبراً يتخفّى، واندفاعاً يُفاجئ. حتى العدو نفسه وقف مذهولاً: كيف يُهزم من يملك كل هذا السلاح أمام رجالٍ لا يملكون إلا صدورهم وعزيمتهم؟

لقد كانت معركة إرادة  بعزيمة عمانية خالصة قبل أن تكون معركة سلاح… معادلةٌ بسيطة في ظاهرها، عميقة في جوهرها: إمّا نصرٌ يرفع الكرامة، أو شهادةٌ تكتب الخلود. ولم يكن الموت عندهم نهاية، بل اختياراً واعياً حين تُهدَّد الأرض والهوية.

سقط شهداء كُثُر—تُروى أعدادهم بالآلاف—لكنهم لم يسقطوا عبثاً. كانوا يكتبون بدمهم سطراً جديداً في تاريخ هذه الأرض: أن النصر  لا يُمنح، بل يُنتزع كما ان التهريج  في الأبواق وسائر أنواع البراغيم الحديثة ليست الا من قرون الثيران او الماعز … وأن من يرى الغِنى في تراب وطنه، لا يبيعه مهما اشتدّت عليه المغريات.

وهكذا، لم تكن عُمان مجرّد أرضٍ صمدت، بل روحاً انتصرت. انتصرت لأنها عرفت نفسها، وعرفت عدوها، وعرفت أن القوة ليست دائماً في صوت المدفع، بل في قلب الرجل حين يقوم لله ربا شرع الدفاع عن الأوطان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى