المنشود العُماني: هندسة الألفة وكسر الجمود قبل أن تُدرّس في الجامعات
زاهر بن سيف بن سلطان المسكري

في زمنٍ تتسارع فيه الحياة وتضيق فيه مساحات اللقاء الإنساني الحقيقي، تبدو الحاجة ماسّة إلى فنٍّ يُعيد للناس دفءَ البداية، ويكسر صمت الغربة بين القلوب قبل الألسنة. هذا الفنّ، الذي تُدرِّسه اليوم كبرى الجامعات تحت مسمّيات “كسر الجمود” و“الذكاء العاطفي”، لم يكن غريبًا عن أرض عُمان، بل عاش فيها ممارسةً يومية متوارثة، تُعرف باسم المنشود.
المنشود في عُمان ليس مجرّد افتتاحٍ بروتوكولي للمجالس، بل هو مفتاح الدخول إلى النفس البشرية؛ لحظةٌ تتقدّم فيها الحكمة على الكلام، ويُستدعى فيها التاريخ الاجتماعي ليصنع الحاضر. يبدأ من كبير القوم: شيخٍ، أو عالمٍ، أو وجيهٍ، يحمل في رمزيته معنى القيادة والرأي، فيُطلق الكلمات الأولى لا لتُسمع فقط، بل لتُطمئن، وتؤسس لبيئةٍ من الأمان والقبول. هنا، لا يكون الحديث مجرّد تبادل ألفاظ، بل بناء جسرٍ إنساني بين الحاضرين.
وإذا كانت الجامعات الحديثة قد نظّرت لفنون كسر الجمود عبر ورش العمل وتمارين التعارف، فإن المجتمع العُماني قد مارس ذلك بفطرته، قبل أن تُصاغ له المصطلحات. يكفي أن نتأمل أن أولى الجامعات في التاريخ، مثل جامعة القرويين التي أسستها فاطمة الفهرية في فاس عام 245هـ/859م، جاءت لاحقًا لتؤطر العلم وتجمعه، بينما كانت المجتمعات الإسلامية، ومنها عُمان، قد سبقتها في بناء الإنسان نفسه، وتأهيله اجتماعيًا ونفسيًا للحوار.
المنشود إذًا هو جامعة غير مكتوبة؛ قاعتها السبلة، ومناهجها القيم، وأساتذتها الشيوخ والحكماء، وهدفها الأسمى: إزالة الحواجز بين البشر. إنه تدريب عملي على الإصغاء، وعلى ترتيب المكانة الاجتماعية دون إقصاء، وعلى إشعار القادم—ولو كان غريبًا—بأنه جزء من النسيج لا خارجه.
ولعلّ أجمل ما في هذا الإرث أنه لا يُمارَس بتكلّف، بل بعفويةٍ نابعة من عمق التجربة العُمانية. فالجلوس في المجلس ليس مجرد حضور جسدي، بل دخولٌ في نظامٍ دقيق من الاحترام المتبادل، تبدأ خيوطه بالمنشود، وتمتد لتصنع حالةً من الألفة التي تجعل الحوار ممكنًا، بل مثمرًا.
وفي عالمٍ باتت فيه العلاقات تُبنى بسرعة وتنهار بسرعة أكبر، يقدّم المنشود درسًا بليغًا:
أنّ البداية الصحيحة ليست في ما نقول، بل في كيف نُهيّئ القلوب لسماع ما سيُقال.
هكذا، تقف عُمان—بهدوئها الذي لا يصرخ—نموذجًا إنسانيًا راقيًا، يذكّر العالم أن أعظم العلوم ليست تلك التي تُدوَّن في الكتب فحسب، بل تلك التي تُعاش في الناس، وتُورَّث كقيمةٍ وسلوك. والمنشود، في جوهره، ليس عادةً اجتماعية فحسب، بل هو فلسفة لقاء… لو أُحسن فهمها، لأعادت للإنسانية شيئًا من دفئها المفقود.
وآن الأوان ان نطرق باب الجهات المختصة لتوثيق هذا التراث الغير مادي لدى منظمة اليونيسكو حيث ان المنشود هوية عمانية خالصة.



