مقالات

سلطنة عُمان… حين تبقى الأخلاق حية في زمن الضجيج

زاهر بن سيف بن سلطان المسكري

في عالمٍ تتسارع فيه الحياة حتى يكاد الإنسان يفقد صلته بذاته، تقف سلطنة عُمان نموذجًا هادئًا لا يصرخ، لكنه يُرى… ويُحس.

ليست عُمان مجرد جغرافيا، ولا مجرد تاريخٍ يُروى، بل هي حالة إنسانية متكاملة؛ حيث تتجسد القيم في السلوك اليومي دون ادعاء، وتُمارس الأخلاق كأنها فطرة لم تنقطع.

حين يدخل الزائر مجلسًا من مجالس العلم في عُمان، أو ما يُعرف محليًا بـ”السبلة”، لا يحتاج إلى شرحٍ طويل ليدرك أنه أمام مشهد مختلف؛ سكينة تسبق الكلام، وإنصاتٌ يسبق الرأي، وهيبةٌ لا تُفرض بل تُستشعر. هناك، لا ترتفع الأصوات بقدر ما ترتفع المعاني.

وفي المساجد، حيث تتعانق الأرواح قبل الأجساد، يلمح القادم من بعيد صورةً تذكّره بجيلٍ مضى، جيلٍ ارتبط اسمه في الوعي الإسلامي بالنقاء الأول: جيل الصحابة. وليس المقصود هنا مقارنة زمنٍ بزمن، بل الإشارة إلى أن الزمان متواصل بجيل يتلوه جيل بجيل الرعيل الأول من الصحابة حيث القيم الكبرى—كالوقار، والتواضع، واحترام العلم—ما زالت حيّة تُمارس لا تُحكى.

اللباس العُماني، ببياضه الناصع، ليس مجرد مظهر تقليدي، بل امتداد لثقافة ترى في البساطة أناقة، وفي النظام جمالًا. الدشداشة، والعمامة، والخنجر والعصا—كلها رموز، لكنها لا تكتسب معناها الحقيقي إلا من خلال الإنسان الذي يرتديها؛ إنسان يوازن بين الأصالة والانفتاح، بين الثبات والتطور.

وعبر تاريخها، عُرفت عُمان بأنها أرض سلام، لا لأن الصراعات لم تمر بها، بل لأنها اختارت—في لحظات كثيرة—أن تنتصر للحكمة بدل الانفعال، وللتعايش بدل الإقصاء. ولهذا، لم يكن غريبًا أن يخرج منها من يتحدث عنها لا بإعجابٍ عابر، بل بتجربةٍ تُلامس الداخل.

إن العالم اليوم لا يحتاج إلى خطبٍ طويلة عن الأخلاق، بل إلى نماذج تُرى. وعُمان تقدم هذا النموذج بهدوء: مجتمع يحترم الكبير، ويوقر العلم، ويُبقي على مسافةٍ آمنة بين الاختلاف والخصومة.

لكن الإنصاف يقتضي أن نقول: لا توجد أمة كاملة، ولا مجتمع بلا تحديات. قيمة عُمان ليست في الكمال، بل في الاتجاه؛ في حفاظها على جوهرها الأخلاقي من خلال موروثاتها وهويتها رغم تغير العالم من حولها.

ولهذا، فإن الدعوة ليست أن يُقلّد العالم عُمان في مظاهرها، بل أن يتأمل في سرّها: كيف يمكن للقيم أن تبقى حيّة؟ كيف يمكن للإنسان أن يكون متقدمًا دون أن يفقد وقاره؟ وكيف يمكن للمجتمع أن يجمع بين الأصالة والإنسانية؟ حينها لن يوجد ناعق عبر التواصل الاجتماعي وناهق عبر الحدود

إنها ليست قصة بلد… بل درس حضاري مفتوح في مدن عمان كنزوى وابرا وصحار والرستاق وصور وظفار وسائر مدن عمان وقراها لمن فقد بوصلة الآداب وسلك دروب التهكم.

و ما نلتمسه على الدوام من خلال من يزور عُمان وحين يبرز انبهاره ، ومعبرا ومتسائلاً في آن واحد ما سر هذه السكينة التي قلما تجدها الا في نوادر الأمكنة وعمان وعمان تحديداً !؟.

انها القيم الإسلامية.

“إنما الأمم الأخلاق ما بقيت

فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى