
يقف الإنسان طويلاً أمام المرآة، فيرى سنواته تتراكم: من جنين إلى رضيع، فطفولة، فشباب، فرشد، ثم كهلاً يزحف بهدوء ومنتهاه إلى بطن الأرض، لا يسمعه إلا من أنصت للزمن.
يبني البيوت، ويجمع المال، ويخاصم، ويغضب، ويحسد، ويتنافس، ويظن أن أمامه متسعاً من الوقت… حتى يأتي اليوم الذي يدرك فيه أن الرحلة كلها كانت أقصر مما تخيل.
ثم يأتي القرآن… لا ليحدثنا عن الزمن كما نعدّه نحن، بل كما يراه الحق سبحانه: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾. آية تهز القلوب… فالعشية: آخر النهار، والضحى: أوله. وكأن القرآن يقول للإنسان: ستنظر يوماً إلى عمرك كله يوم القيامة، فتجده أقصر ما يكون!
ثم يؤكد المعنى مرة أخرى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ﴾. ثم يفتح القرآن باباً آخر للتفكر العميق: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾.
وهنا… يصمت العقل قليلاً.
ماذا لو نظر الإنسان إلى عمره نظرة تدبرية مستلهمة من هذه النسبة القرآنية؟ ماذا لو حوّل عمره – على سبيل التأمل والاتعاظ – إلى مقياس (1 : 1000)؟
القاعدة التأملية تصبح: (العمر ÷ 1000 × 24).
ولو افترض الإنسان أنه سيعيش تسعين سنة: 90 ÷ 1000 = 0.09، ثم: 0.09 × 24 = 2.16 ساعة. أي: ساعتان… وتسع دقائق… وست وثلاثون ثانية فقط!
قف هنا قليلاً…
تسعون عاماً من السعي والتعب… من الفرح والبكاء… من الطفولة والشباب والشيخوخة… من الخصومات والصلح… من الطموحات والمخاوف… من البناء والهدم… كل ذلك – في هذا المشهد التأملي – لا يتجاوز ساعتين وتسع دقائق وستاً وثلاثين ثانية!
بل إن الإنسان لو بلغ الستين فلن يبلغ ساعة ونصفاً تقريباً، ولو بلغ المائة عام فلن يبلغ سوى ساعتين وأربع وعشرين دقيقة.
وهنا يعود القرآن ليعيد الإنسان إلى حجمه الحقيقي: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾. ومن هذا المنطلق يمكنك معرفة كم بلغت من الدقائق من خلال ما مضى من عمرك بتطبيق (عمرك مقسوم على ألف ثم ضرب النتيجة في أربعة وعشرين)، لتتفاجأ بالنتيجة من عمرك الماضي!
فأين الجبابرة الذين ملؤوا الأرض صخباً؟ أين الملوك؟ أين أصحاب الأموال؟ أين أصحاب المناصب؟ أين أصحاب النفوذ؟ أين المتخاصمون؟ أين الذين ظنوا أن الدنيا خُلقت لهم؟ كلهم مرّوا… وكم من أممٍ مرت قبل وبعد نبي الله نوح! ثم صاروا أسماء على القبور، أو سطوراً في الكتب، أو ذكريات في القلوب لفترة وجيزة.
إن الدنيا – كما يرشد القرآن – ليست دار إقامة، بل ممر، وليست وطن الخلود، بل طريق إليه، وليست النهاية… بل بداية السؤال. وهنا يصرخ القرآن في وجه الغفلة: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾.
أيها الإنسان…
إن كنت غداً ستكون في عداد الأموات كما صار من قبلك… فلماذا الظلم؟ ولماذا الكبر؟ ولماذا القطيعة؟ ولماذا يحمل الأخ على أخيه؟ ولماذا يتسابق الناس على دنيا سيتركونها جميعاً دون استثناء؟
لقد آن للإنسان أن يراجع عمره الذي أفناه… وأن يسأل نفسه: إن كانت حياتي كلها ليست إلا ساعتين… فكيف سأقضي ما بقي منها؟ ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾.
اللهم اجعل ما بقي من أعمارنا خيراً مما مضى، واجعل آخر ساعات الدنيا لنا أول ساعات الرحمة عندك يا الله يا حليم ويا رحمن يا رحيم يا ذا الجلال والإكرام. آمين.



