
نهيم لمدن في عالمنا الفسيح؛ ننتقل عبر المطارات والقطارات ومختلف وسائل المواصلات.
تستهويني بعض الدول، في حين لم ترق لي بقاع عاهدت نفسي ألا أعود إليها؛ إما لعدم ارتياح خالجني في تلك السفرة، وإما لاختيار صحبة جاءت على عكس تيار ذائقتي ولم ترق لي تصرفاتهم. فالسفر عندي رحلة إلى فضاء الاستجمام، ومعنى للسعادة، وأساس لكل معاني البساطة. وقد تطرق الإمام الشافعي إلى ذلك في مطلع قصيدته:
تَغَرَّبْ عَنِ الأَوْطَانِ فِي طَلَبِ العُلَى
وَسَافِرْ فَفِي الأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِدِ
تَفَرُّجُ هَمٍّ، وَاكْتِسَابُ مَعِيشَةٍ
وَعِلْمٌ، وَآدَابٌ، وَصُحْبَةُ مَاجِدِ
ولعلي لم أتوفق في اختيار “الماجد” الذي ورد في مطلع هذه الأبيات.
السفر عندي مدرسة البسطاء؛ ففي كل رحلة أدرك معنى التجربة، وأحياناً أشعر بضيق رعونتها حين تسوء الظروف، لكنني في نهاية المطاف أجد فيها ضالة متعتي؛ لأنني اعتدت هذه المفاجآت في كل وجهة أقصدها، وكل ذلك يخوض بي في عوالم التعلم والبحث والتقصي والمغامرة.
هناك من يعجب ببلد ما، بينما يراه آخر بعين مختلفة تماماً؛ فكل منا يعكس ذوقه بناءً على شخصيته، ومن الطبيعي ألا تتفق أذواق البشرية على مزاج واحد، بل هي دائماً على اختلاف، وهذا الاختلاف نعمة ساطعة بين سائر البشر.
غير أنني رأيت عكس هذا الاختلاف تماماً في بقعة يمتزج فيها حب واحد، والهدف منها طاعة الله عز وجل. وجدتني سارحاً بوجداني حين وُفقت بهذه الزيارة المنتظرة منذ أعوام، ليبقى قلبي معلقاً بين مكة والمدينة المنورة. ومهما أفضتُ في مدح هذه البقعة فلن أستطيع إيفاءها حقها، فيكفي النص القرآني الذي هو خير دليل على معنى الأمان للمسلمين في هذه الأرض الطاهرة، حين وصفها الله عز وجل في سورة العنكبوت:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾.
وكذلك الفطرة في المدينة المنورة، بلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ تجد نفسك في ارتياح وأمان منذ أن تطأ قدمك أرض هذه المدينة الطاهرة.
هنا تسكن الأنفس، وتتبخر الاختلافات في رحلة روحانية واحدة تجمع سائر المسلمين في بقعة مباركة من بلاد الحرمين، فيلتقي الجميع بسكينة واطمئنان، تحت أروع كنية يُكنى بها الزائرون: “ضيوف الرحمن”. المعتمر هناك تكاد لا تفارقه الروحانية حتى يعود إلى وطنه، فيظل قلبه متعلقاً بالإيمانيات، متلهفاً لرؤية الحرمين الشريفين من جديد.
لم تكن هذه عمرتي الأولى، بل كانت لي عدة زيارات لسلطنة الخير والمملكة العربية السعودية؛ وقبل تسعة أعوام كان لي نصيب في تأدية مناسك العمرة، ثم حالت الظروف دون تكرارها طوال هذه المدة. وأنا على يقين بأن هذا كله مرتبط بتوفيق الله وقدره، وينبغي للمسلم أن يبيت نيته لهذه الزيارة، بل ويؤجل رحلات العالم لأجل رحلة وجدانية تكون للسقيم دواءً، وللمهموم سعادة وأمناً. فكيف لا وهو قد ترك أسفار الدنيا ليرجح خير مقصد في أطهر بقاع الأرض، والله هو الميسر بإذنه؟
رأيت نفسي منذ أن حطت الطائرة رحالها في بلاد رسول الله أرفل في أحضان السعادة التي راودتني، وتعطر قلبي بنفحات إيمانية استقرت في سويداء فؤادي. ومن حسن طالعي أنني قررت السفر بعد موسم الحج مباشرة؛ فكنت أنظر إلى الحجيج والمعتمرين وقد صاروا كطيور الجنة صفاءً ونقاءً بلا ذنوب إن شاء الله. وما أذهلني هو حجم التطورات على أرض الحرمين الشريفين، والتي تأتي ضمن أولويات الاعتناء بضيوف الرحمن أولاً، ومن اهتمامات المملكة ضمن رؤية السعودية 2030، وهذا كله يدل على حرص خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظهما الله.
لم تهنأ لي نومة في الليلة التي سبقت السفر؛ فقررت أن أجهز نفسي وحقيبتي وأدلف نحو مسقط، لأستأجر غرفة في مكان قريب من المطار. كان ذلك بسبب هواجس بدأت تلعب بعقلي وتقلقني؛ لأنني اكتويت بنارها سابقاً ولا أريد السقوط في أوكارها من جديد؛ وهي مشكلتي مع التسجيل المتأخر أو فوات الطائرة الذي يطرد مني متعة الرحلة ويجعلني أخسر ما دفعته. لكن السفر يظل متعة رغم قسوته أحياناً، وعسى ألا نقع جميعنا في هذا المأزق مجدداً.
كان قلبي يخفق شوقاً لبلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنني شددت رحالي إلى أرض طيبة، بل طار فرحاً حين نزلت في مطار المدينة المنورة. مشيت بمشاعر فياضة وقلب مطمئن، وخطواتي تتسارع بلا شعور حتى أوصلتني إلى مقر الحافلات العامة، وأعجبني تنظيمها ونظافتها وتوفرها الدائم لخدمة الحجيج والمعتمرين.
وصلنا إلى المسجد النبوي الشريف حين شارفت الساعة على الواحدة ظهراً، وخالجني شعور مهيب لقربي من الحبيب المصطفى. أمعنت النظر في المكان وازدحام القاصدين؛ رهط من المحرمين ينتظرون أي وسيلة نقل تقلهم إلى مكة، وبعضهم يريد الذهاب إلى مسجد قباء ليصلي فيه وينعم بأجر عمرة كما أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم.
تنفست الصعداء وانتعشت بالرائحة التي تتميز بها المدينة المنورة. ذهبت إلى مطعم باكستاني بسيط بمقاعده العادية، وأنا بطبعي تستهويني هذه البساطة بكل حذافيرها؛ طلبت وجبتي الخفيفة: خبز تنور مع دجاج مشوي على الفحم، وبالتأكيد لم أفارق المكان إلا وقد بردت على قلبي بمشروب “الحمضيات” الشهير.
خرجت أمشي في طرقات المدينة المنورة وأنا أقتبس النور البهي من كل جزء فيها، متذكراً سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبينما كنت أسير، توقفت عند بائع التمور وتذكرت عجوة المدينة التي أوصى بها عليه أفضل الصلاة والسلام، فطلبت ربع كيلو ليكون معي في الحقيبة حين أحتاج إلى الطعام.
وها أنا أصل إلى المسجد النبوي بجوار حبيب الله وصحابته رضي الله عنهم عند المنبر والروضة. جلست أنتظر صلاة العصر حتى فرغت منها، ولم أفرط في أجر الصلوات في ذلك المساء لكي لا تضيع حصيلة الثواب المضاعف، بل سعيت إلى تصفية ذهني عن مشغلات الحياة بالنوافل لتكون قرباناً لله سبحانه وتعالى.
رغم عناء السفر الذي رافقني في ذلك اليوم، إلا أنه تلاشى عن جسدي، لكن لا بد للإنسان أن يستريح مهما شعر بالارتياح. فضلت الذهاب إلى الفندق، ومن سوء طالعي أنني لم أحجز مبكراً، فحصلت على غرفة بسيطة، وما أجمل البساطة وتقبلها في كثير من الأوضاع.
مر المساء، وانسدل خيط صباح اليوم التالي، فاستعددت لصلاة الجمعة ولرحلتي إلى مكة المكرمة التي نويتها بعد الصلاة.
كان المكان مزدحماً بفيض من الحجاج الذين قرروا ألا يغادروا الحرمين إلا بعد أن يأخذوا كفايتهم من هذه الزيارة؛ فهم يعانون كثيراً للوصول ضيوفاً إلى هذه البلاد الطاهرة، إذ يتكبدون معاناة السفر ودفع الأموال تقرباً لله.
كنت أسرع لأحصل على مكان داخل حرم المدينة وأُنعم بالجلوس هناك، لكن لم يكن من نصيبي سوى حيز في الخارج، وهو المكان الذي سخره الله لي لأتعرف على “محمد”، رجل مصري طيب وأصيل ومتدين، استفدت من حواراته الدينية وكان يدلني على الممر المؤدي إلى الروضة الشريفة.
أخذت صورة تذكارية قبل أن أودعه، ثم شرعت مسرعاً إلى الباب المؤدي إلى الشريف. سلمت على الرسول عليه الصلاة والسلام بيد مرتعشة هيبةً، ثم حييت صاحبه أبا بكر الصديق رضي الله عنه، وأخيراً وقفت أمام الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه. كان هذا آخر مكان زرته في المدينة، وتمنيت لو أنني زرت مسجد قباء وصليت في الروضة، لكن النية موجودة، وما دمت قد وُفقت سابقاً لهذه الطاعات، فليوفق الله غيري بها.
شغف كبير اعتراني حين أقلتني سيارة الأجرة متجهين نحو محطة القطار، وكان يقيني يؤكد لي أنها ستكون تجربة مختلفة عن بقية وسائل النقل؛ فالمكان مختلف تماماً في أطهر البقاع.
وما إن وصلت إلى محطة قطار الحرمين التابعة للمدينة المنورة حتى وجدت ما توقعت: رقي في المكان، ونظافة، ومرافق تجعل الزائر مستريح البال في كل أركان المحطة. المقاهي والمصليات والقاعات الواسعة تشعرك وكأنك في فندق من طراز رفيع. ارتديت إحرامي، وطلبت غدائي ثم قهوتي لتكون رفيقتي طوال الرحلة التي تمتد لساعتين.
عادت بي أطياف أفكاري إلى الماضي حين كنت أترحل بين هاتين المدينتين عبر الحافلات وسيارات الأجرة؛ كان الأمر شاقاً في تلك الأيام التي مضت وأصبحت مجرد طيف عابر. وتهون كل مشاقنا حين نتذكر سيرة الرسول العطرة عندما هاجر ماشياً على الأقدام من مكة إلى المدينة لمسافة نحو 450 كم؛ إنها نقلة نوعية بين الماضي والحاضر والمستقبل الباهر الذي تعيشه المملكة.
جلست على مقعدي الذي حجزته بجوار النافذة كعادتي؛ إذ أشعر بالارتياح في هذا المكان. وما إن وصلت إلى مكتب التسجيل حتى قالت لي الفتاة: “أسرع، المتبقي 10 دقائق”.
خرجت مسرعاً أبحث عن العربة رقم 7، واستقبلني المضيف بزي مرتب قائلاً: “تفضل، أَعطِني تذكرتك”، ثم أشار إلى مكان جلوسي.
مررت بعدة مقاعد ممتلئة حتى وجدت مكاني، لكنني وقعت في موقف محرج حين رأيت فتاة آسيوية تجلس فيه، فتراجعت بخجل إلى الخلف.
قالت لي باللغة الإنجليزية:
“Oh, this is your seat? Sorry, please have a seat.”
(أي: إذن هذا مقعدك، أسفة، تفضل بالجلوس).
وقامت من مكانها. أخجلني الموقف، لكن العربة كانت شبه مكتملة بالعائلات، وتلك الفتاة كانت مثلي شغوفة بالجلوس بجانب النافذة. عادت إلى مقعدها الصحيح، واسترحت من حرج الموقف.
قرأنا دعاء السفر وانطلقنا؛ وبحق، كانت من أرقى وسائل المواصلات التي استقللتها؛ فكل شيء متوفر من مرافق ومقاهٍ ونظافة عالية. حتى الكرسي في الدرجة العادية كان مريحاً جداً. فتحت الطاولة أمامي، ووضعت قهوتي، وجلست أشاهد طبيعة البلاد الصحراوية. وبعد خمس دقائق مررنا بمحاذاة ميقات (ذي الحليفة – آبار علي).
وهنا بدأنا التلبية: “لبيك اللهم لبيك”. كنت أدقق في الوقت وسرعة القطار السريع الذي يمضي بنا دون توقف بسرعة تتراوح بين 290 و300 كيلومتر في الساعة.
رأيت الغروب يعكس جماله أمام ناظري عبر النافذة. مضت ساعتان أو أقل بدقائق حتى وصلنا إلى مكة المكرمة؛ نزلت سريعاً وركبنا جميعاً الحافلة التي أوصلتنا إلى برج الساعة بتكلفة زهيدة.
كنت أهمس لنفسي بمشاعر فياضة: “ها أنا عدت إليك يا مكة من جديد”، داعياً الله أن يتقبل عمرتي.
حتى الحرم المكي واكب التطورات التي تشهدها المملكة؛ ففي بلاد الحرمين أصبح لكل فرد نصيب في أداء هذه الشعائر؛ إذ يستطيع المقعد أن يطوف عبر مسار سيارات الجولف المخصصة لهذه الفئات.
جلست يومين، وانتابتني رغبة في تأخير العودة إلى أرض الوطن؛ فلا زلت بحاجة إلى الارتواء من نبع هذا المكان الذي يضفي على الروح صفاءً تاماً. كنت أراقب حمام مكة وأغبطه على سعادته وهو يحلق في السماء. تواصلت مع زميلي “أبو حسام” لنلتقي بعد شوق وعشرة طويلة، وفي باقي الأيام تجولت بين غار حراء—الذي أصبح مركزاً ثقافياً مجهزاً بشروح تعتمد الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة—ومتحف القرآن الكريم، وبعض المكتبات التي أخذت منها زادي من الكتب كعادتي في كل سفر. أيام جميلة قضيتها بين زوايا المسجد الحرام، وتارة في مقهى مطل تشاهد منه الحرم بجمالياته التي تتسامى عن كل وصف.
وبعد عشرة أيام من رحلة تجديد الروح، حجزت تذكرة العودة وتوجهت إلى المطار قائلاً: “عذراً يا مكة، فإن شاء الله سأعود للقياك من جديد”.



