
من “أوتي” الهندية التي تتربع على عرش الجبال الزرقاء كملكةٍ متوجة بالضباب والمنحدرات، انطلقت رحلتنا مع تباشير الصباح، حين كان الندى يداعب أوراق الشجر، والسكينة تلف الوهاد السحيقة. والأبناء المرافقون يتحدثون عن تجربتهم السابقة في تلك الأماكن.. كانت وجهتنا إلى “كنور” ارتحالاً في عمق التاريخ، وانغماساً في لوحةٍ كونية رُسمت بريشة متقنة وصاغتها سواعد البشر قبل أكثر من قرنٍ من الزمان.
وقفنا في محطة “أوتي” العتيقة، حيث استقبلنا القطار التاريخي (Nilgiri Mountain Railway) بوقار المسنين وعنفوان الشباب. هذا “القطار اللعبة” كما يلقبونه تحبباً، شاهدٌ حيٌّ على عبقرية الإنسان في طي المسافات الوعرة. تعود جذور هذه السكة إلى نهايات القرن التاسع عشر،.
ويؤكد السجل التاريخي أن الجزء الذي قطعناه اليوم بين “أوتي” و”كنور” بدأ تشغيله الرسمي في عام 1908م. مائة وخمسة عشر عاماً وهذا القطار يشرخ صمت الجبال بصافرته الرخيمة، ويوقظ المسافرين بوقت السفر وحمل الأمتعة وهو اليوم من أندر قطع التراث العالمي المدرجة في قائمة “اليونسكو” منذ عام 2005م.
قبل أن تأخذنا الدروب إلى أحضان الطبيعة، كان لنا وقفة مع المذاق الذي لا يُنسى؛ حيث ولجنا أحد المطاعم الحيدر آبادية العريقة التي تشتهر بها المنطقة. هناك، انبعثت روائح التوابل لتمتزج بهواء الجبل البارد، وتذوقنا وجبات “البرياني” المميزة بخلطتها السحرية التي تحمل إرثاً طويلاً من المطبخ الهندي الأصيل. كانت تلك الوجبة بما حوته من فلفل حارق بمثابة الوقود الذي شحن الأبدان والنفوس قبل الانطلاق لمصافحة الخضرة في ذرى “كنور”.
حين تحرك القطار ينسلّ من المحطة، رويدا رويدا ويتأكد عامله بأننا في الغرف والمقاعد الصحيحة انفتحت أمامنا كنوز “نيلجيري” (الجبال الزرقاء). وامتدت مزارع الشاي على مد البصر كبساطٍ مخملي أخضر يغطي تضاريس الجبل في هندسةٍ دقيقة تتبع انحناءات الأرض. كانت شجيرات الشاي تصطف في طوابير مخلصة، تترقب لمسة قطاف الصباح. وحصاد عشرات المزارعات وبين الحين والآخر، تطل من نوافذ القطار “أشجار الغابة” الباسقة؛ تلك العمالقة التي تضرب بجذورها في أغوار السحيق وتشرئب بأعناقها لتعانق السحاب. كانت أشجار الكافور واليوكابتوس ترسل عطرها الفواح ليختلط بهواء المرتفعات البارد، فينعش الصدور التي أضناها غبار المدن.
وفي غمرة هذا الأخضر الطاغي، برزت “المنازل” المتناثرة على سفوح الجبال كقطع من الياقوت والمرجان. بيوتٌ بأسقفها القرميدية الحمراء، وواجهات تزهو بألوانٍ شتى من الأزرق السماوي، والأصفر الذهبي، والأبيض الناصع، تكسر وقار الجبل ببهجة الحياة، وتشي بحكايا الساكنين الذين اختاروا مجاورة الغمام.
ولجنا مزارع الشاي الفسيحة، تلك التي بدأت أولى تجارب زراعتها هنا في عام 1854م، لتصبح “كنور” اليوم مركزاً عالمياً ومقراً لمزادات الشاي في جنوب الهند. كانت الجولة بين تلك الشجيرات رحلة في تاريخ الزراعة وبراعة الفلاحين.
وهناك، التقطنا صوراً مميزة توثق لحظات التجلي مع مزارعي الشاي، وهم يقطفون البراعم الخضراء بكل إتقانٍ وخفة يد، كأنهم يعزفون بأصابعهم سيمفونية العطاء. كانت وجوههم السمراء المبتسمة تحكي قصص الصبر والرضا، وتضفي على اللوحة بُعداً إنسانياً دافئاً يضاهي دفء كوب الشاي في ليل الجبال.
لم تكتفِ “كنور” بإبهارنا بخضرتها، بل قادتنا خطانا إلى “حديقة سيم” (Sim’s Park) التي تأسست عام 1874م، لنجد أنفسنا في حضرة آلاف الأنواع من النباتات والأشجار النادرة المنسقة على النمط الإنجليزي العتيق. كما لاح لنا في الأفق شموخ “قلعة دروغ” (Droog Fort) التي تعود أطلالها إلى القرن الثامن عشر، حيث كانت يوماً معقلاً استراتيجياً لـ “تيبو سلطان”، شاهدةً على صراعات القوى فوق هذه القمم السامقة.
كانت هذه الرحلة درساً في التأمل؛ فالمسافة بين “أوتي” و”كنور” رحلة في الوجدان الإنساني، واختبار لقدرة الجمال على تهذيب النفس. رأينا كيف تتصالح التكنولوجيا في صورتها البدائية مع البيئة، وكيف بنى الإنسان سكةً للحديد حافظت على وجه الطبيعة الجميل.
نغادر “كنور” وقلوبنا معلقةٌ بضجيج عجلات القطار، وعيوننا تسبح في بحار الشاي الخضراء، مؤمنين أن هذه الأرض التي باركها الله بهذا الجمال، تستحق أن تُكتب عنها الفصول، لتبقى ذكرى “نيلجيري” وسكتها التاريخية وشماً في ذاكرة الارتحال.



ما شاء الله بلاغة في الوصف والتعبير ..
لقد شوقتنا لزيارة حدائق الشاي المعلقة والاستمتاع بتجربة رائعة مع هذا القطار العتيق ..