
في السنوات الأخيرة بدأت بعض الممارسات تتسلّل إلى مجتمعنا العماني بهدوء، لكنها تحمل في طيّاتها تغييرات عميقة تمسّ جوهر القيم والعادات التي طالما ميّزت هذا المجتمع بهويته المتزنة والمحافِظة. ومن أبرز هذه الظواهر: دخول الرجال إلى قاعات أفراح النساء، سواء بحجّة مرافقة العروس أو العريس، وكذلك ظاهرة رقص العروسين في حفلات الزفاف، وهي من العادات التي لم تكن يومًا جزءً من ثقافتنا الأصيلة.
إن المجتمع العماني، عبر تاريخه الطويل، قام على منظومة من القيم التي توازن بين الفرح والوقار، بين الاحتفال والاحتشام. فالأفراح كانت ولا تزال مناسبة لإظهار البهجة، لكنها أيضًا محكومة بضوابط تحافظ على كرامة الأفراد، وتصون خصوصية النساء، وتمنع أي تجاوز قد يخلّ بالحياء العام أو يفتح أبوابًا لا تُحمد عقباها.
دخول الرجال إلى قاعات النساء ليس مجرد تفصيل بسيط يمكن التغاضي عنه، بل هو اختراق واضح لخصوصية اعتاد المجتمع على احترامها. هذه الخصوصية لم تكن وليدة تشدد، بل نتاج فهم عميق لطبيعة العلاقات الاجتماعية وحدودها. حين تُكسر هذه الحدود تحت مبررات واهية، فإننا لا نغيّر شكلاً من أشكال الاحتفال فحسب، بل نعيد تشكيل مفهوم الحياء ذاته.
أما ظاهرة رقص العروسين، فهي تمثل نقلة أخطر، لأنها تنقل نموذجًا غريبًا عن بيئتنا، مستوردًا من ثقافات لا تشبهنا في قيمها ولا في نظرتها للعلاقة بين الرجل والمرأة في الفضاء العام. إن تحويل لحظة الزواج، التي يُفترض أن تكون لحظة وقار وبداية حياة قائمة على المودة والاحترام، إلى عرض استعراضي أمام الحضور، يفرغ المناسبة من معناها العميق، ويحوّلها إلى مشهد سطحي يُقاس فيه النجاح بمدى لفت الأنظار لا بمدى البركة والسكينة.
المشكلة لا تكمن فقط في الفعل ذاته، بل في اعتياده وتطبيعه. فحين يرى الجيل الجديد هذه الممارسات تتكرر دون اعتراض، تبدأ في التحول من (ظواهر دخيلة) إلى (عادات مقبولة)، ثم إلى (تقاليد مفروضة)، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. لأن ما يُفرض اجتماعيًا يصبح من الصعب مقاومته لاحقًا، حتى من قِبَل من يدرك خطأه.
ولا يمكن إغفال دور وسائل التواصل الاجتماعي في تسريع انتشار هذه الظواهر، حيث يتم تداول مقاطع الأعراس بشكل واسع، وتُقدّم هذه الممارسات على أنها رمز للتطور أو الانفتاح، في حين أنها في حقيقتها تعبير عن فقدان البوصلة الثقافية، والانبهار غير الواعي بكل ما هو وافد.
إن الحفاظ على هوية المجتمع لا يعني رفض الفرح أو محاربة مظاهره، بل يعني تهذيبه وتوجيهه بما يتناسب مع قيمنا. يمكن للأفراح أن تكون جميلة، راقية، ومبهجة، دون الحاجة إلى تجاوز الخطوط التي رسمها لنا ديننا وعرفنا.
بل إن الالتزام بهذه الخطوط يمنح الفرح عمقًا ومعنى، ويجعله أكثر احترامًا وأقرب إلى القبول الاجتماعي.
المسؤولية هنا مشتركة: تبدأ من الأسرة التي تقرر كيف سيكون حفل زفاف أبنائها، وتمر بالمجتمع الذي يجب أن يعبّر عن رأيه بوضوح، ولا ينجرّ خلف كل جديد دون تمحيص، وتنتهي عند الأفراد الذين ينبغي أن يمتلكوا وعيًا كافيًا لرفض ما لا ينسجم مع قيمهم، حتى لو كان ذلك على حساب مجاراة الآخرين.
إن التحدي الحقيقي ليس في وجود هذه العادات الدخيلة، بل في طريقة تعاملنا معها، هل نستسلم لها بحجة التطور؟ أم نواجهها بوعي وثبات، ونحافظ على ما يميزنا دون انغلاق أو تشدد؟
في النهاية،،،
تبقى المجتمعات التي تعرف من تكون، وتدرك قيمة ما تملك، هي القادرة على التطور دون أن تفقد نفسها. أما المجتمعات التي تتخلى عن خصوصيتها بسهولة، فإنها قد تربح مظاهر عابرة، لكنها تخسر هويتها على المدى البعيد.



