
يمثل الهدى الرباني البوصلة الحقيقية التي ترشد المجتمعات والأفراد نحو قيم الحق والخير والجمال. وحين قرن الخالق عز وجل اتباع هذا الهدى بنفي الخوف والحزن، إنما وضع القاعدة الأساسية للاستقرار البشري؛ إذ إن اتباع المنهج القويم يحرر العقل من الحيرة والنفس من الشتات. ومن هذا المنطلق، يسلط هذا المقال الضوء على أثر الاستقامة على هدي الله في بناء مجتمع آمن، مطمئن، وقادر على مواجهة التحديات بروح متزنة
ونستكمل في هذا المقال أنواع الهداية التي ذكرها العلماء أو تُستنبط من النصوص يمكن جمعها في مراتب:
٩- هداية العقل
الله لم يترك الإنسان بلا أدوات، فأعطاه العقل ليستدل، وجعل التفكر بابًا من أبواب النظر إلى الحق.
قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ و ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فالعقل في الرؤية القرآنية ليس خصمًا للوحي، بل مصباحٌ لفهمه، وعدسةٌ يتأمل بها الإنسان آيات الله في الأنفس والآفاق.
١٠- هداية القلب
قد يعرف العقل شيئًا، ولكن لا يدخل القلب. فرعون أدرك، لكن القلب لم يخضع. قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾ فالقلب يحتاج هداية أخرى: الانشراح، والطمأنينة، والسكينة، والخضوع للحق.
١١- هداية العمل
ليست الهداية أن تعرف الحق فقط، بل أن تتحول المعرفة إلى حركة. ولهذا قال السلف: العلم يهتف بالعمل. فمن عرف ولم يعمل بقي واقفًا في منتصف الطريق.
١٢- هداية الزيادة
وهذه من أجمل مراتبها: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ فالهداية ليست نقطة وصول، بل درجات ارتقاء، يهتدي الإنسان… ثم يُزاد…ثم يُفتح له… ثم يترقى.
١٣- هداية الاصطفاء
وهذه منزلة عالية: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ فالناس يتفاوتون في الفيوضات، ومقامات القرب، وفتوح المعرفة.
١٤- هداية الجمال
بعض الناس يهتدون عبر الجمال. الفجر… النجوم…الجبال…صوت الماء…ولهذا امتلأ القرآن بالقسم بالشمس، والليل، والفجر. كأن الجمال نفسه رسول صامت يشير إلى الخالق.
١٥- هداية التاريخ
القرآن لا يروي القصص للتسلية. بل يجعل من التاريخ مدرسةً للهداية. قال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فسقوط الأمم… وهلاك الجبابرة… وتحولات الحضارات… كلها رسائل ناطقة.
١٦- هداية الابتلاء والألم
وهذه من أعجبها. فالابتلاء ليس دائمًا عقوبة، بل قد يكون إعادة تشكيل. إبراهيم بالنار. وموسى بالتيه. ويوسف بالجب والسجن. ورسول الله ﷺ بالحصار والأذى. وكذلك لو تدبرنا بقية الأنبياء و الرسل. ثم جاء الفتح. يوسف دخل الجب والسجن، ثم خرج نبيًا ووزيرًا. فقد يكون الطريق المؤلم طريق التهيئة.
١٧- هداية المحبة
الإنسان يتبع من يحب. ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ فالمحبة ليست شعورًا فقط، بل بوصلة.
١٨- هداية الكشف
بالمعنى الايماني وأشار بعض أهل المعرفة مثل ذو النون المصري، والجنيد البغدادي، وابن الفارض، وناصر بن جاعد الخروصي إلى أن القلب بعد المجاهدة قد تنكشف له المعاني أوضح؛ لا بالبصر، بل بالبصيرة. لكنهم قرروا قاعدة عظيمة: كل كشف خالف الكتاب والسنة فهو مردود. ولعل أجمل ما يمكن أن يقال يا عزيزي القارئ:
الهداية تبدأ من الله… وتمر بالأنبياء… وتدخل العقل…وتسكن القلب… وتظهر في العمل…ثم تعود إلى الله. ولهذا لم يقل القرآن: فمن عرف هداي بل قال: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ﴾ لأن الاتباع حركة.
﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ وعندما تحدثنا عن الصراط في مقال سابق في هذه المحلة المباركة (التكوين) الذي به يبلغ الإنسان الغايات والأهداف، عند قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾
ظهر معنى دقيق:
الصراط = الطريق
الهداية = النور الذي يكشف الطريق
الاتباع = السير
الفلاح = الوصول
وهنا يلوح سر الآية كلها: ليس الخوف كل الخوف أن يضيع الإنسان الطريق… بل أن يمشي بلا نور. فالطريق وحده لا يكفي، والنور وحده لا يكفي، ومعرفة الطريق بلا سير لا تكفي.
ولهذا اجتمعت في القرآن أربعة أركان: الصراط… لئلا يتيه الإنسان. الهداية… لئلا يعمى الإنسان. الاتباع… لئلا يقف الإنسان. الفلاح… لئلا يضيع المقصد.
فمن جمعها كلها دخل تحت الوعد العظيم: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ فلا يضل في الدنيا… ولا يشقى في الآخرة…ويصل إلى الله وقد كان عمره كله رحلة اتّباع.



