مقالات

حين يصبح المألوف سجنًا

وداد الاسطنبولي

كنتُ أجلس على أحد المقاعد في مجمع السلطان قابوس الشبابي الرياضي بصلالة، تحيط بي أصواتٌ كثيرة ومتنوعة. كان الناس يتحركون بسرعة في كل اتجاه، وكل واحد منهم يعرف وجهته تمامًا.

أما أنا، ففي وسط هذا الحشد، كنتُ غارقةً في التفكير، ينتابني شيء من القلق والتشتت. ترددت في داخلي عبارة: “حين يصبح المألوف سجنًا”. تذكرتُ إحدى الأخوات عندما قالتها ذات يوم، فلم تمرّ في ذهني مرور الكرام، بل ترسخت في فكري، وكأن ذاكرتي لا تزال تعيد بثها باستمرار.

وربما لأنني، قبل أيام، كنت أفكر في أمورٍ كثيرة وأتردد فيها. فالتغيير يزعزع أحيانًا شعورنا بالاستقرار، ويجبرنا على مغادرة منطقة الراحة، بينما يلاحقنا المجهول متقمصًا شخصية القلق. ويبقى السؤال: كيف نتغير رغم حاجتنا إلى التغيير؟ وربما أصبحنا أيضًا أسرى للعادات، فغدت هي الرداء الدافئ الذي نلوذ به، بينما صار الخوف هو المحرك الذي يمنعنا من كسرها، حتى بدونا وكأننا ندور في حلقة مفرغة لا نستطيع الخروج منها. فالعادات تحيط بنا، والخوف يضخم انعكاساتها في نفوسنا.

وسبحان الله، كل هذا جاء من تفكير بسيط؛ فقد شعرت أنني لا أريد أن أكرر نفسي، وأحببت أن أغيّر نمطًا من حياتي، لأكون أكثر إيجابية، وأخرج من الروتين حتى أجدد الطاقة الكامنة في داخلي.

وحين بدأت أخطط، أسدل الاستقرار ستاره عليّ، وكأنه يخاطبني قائلًا: “أنتِ تعيشين هدوءًا نفسيًا، ومنطقة راحتك قد اعتادت وألفتك”. لكنني كنت أرد عليه: “ولماذا أسجن نفسي في هذه المنطقة فقط؟ لماذا لا أواجه التحدي، وأحافظ في الوقت نفسه على ما اكتسبته؟ لماذا لا أنطلق، وأزرع السلام في نفسي وحياتي، بدل أن تخنقني منطقة الراحة التي تتحدث عنها؟”

وهنا تذكرت الكاتب فرانز كافكا، الذي عاش بين الأمان الوظيفي وشغفه بالكتابة. فقد جعله خوفه من ترك وظيفته يتمسك بالاستقرار، بينما كان يصف عمله المكتبي الروتيني بأنه «أشغال شاقة». ومع ذلك، كان يقتطع ساعات الليل ليعيش شغفه بالكتابة، ومن هذا الصراع الداخلي وُلدت إحدى أشهر رواياته: “المسخ”.

إذن، نستنتج أن التفكير الذي يسبق التغيير قد يكون سببًا للقلق، لكن زحزحة الأمان أحيانًا هي التي تبني في داخلنا التصميم على كسر القيود والانطلاق نحو آفاق جديدة.

أسعدتني هذه النتيجة، فابتسمت لنفسي، وأغمضت عيني ثم فتحتهما، وإذا بالحيرة قد غادرت ذهني، فخطوت بثبات نحو سيارتي المنتظرة.

ربما عرف بعضكم ما الذي قررت فعله… وربما لا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى