
المرض والتعب يجعلان خططنا تتوقف، وإنتاجنا يقل، ومزاجنا يتغير، نشعر كأن أجسادنا تخوننا وتسحبنا إلى الخلف، لكن هذا التغير أو التوقف القسري الذي حصل لنا له معنى آخر تمامًا، والنبي ﷺ علّمنا أن المرض أجرٌ قبل أن يكون ألمًا.
قال رسول الله ﷺ: «ما يصيب المسلم من نصبٍ ولا وصبٍ ولا همٍّ ولا حزنٍ ولا أذىً ولا غمٍّ، حتى الشوكة يُشاكها، إلا كفّر الله بها من خطاياه» رواه البخاري ومسلم، التعب يغسل الذنوب، والمرض يغسل الغفلة، نعم المرض يخرجنا من غفلتنا وانشغالنا في هذه الحياة، ويعيد ترتيب أولوياتنا.
ونحن أصحاء نستعجل كل شيء الشغل، والرد، والسفر، والمشروع، لكن حين يضعنا التعب على السرير، تسقط كل هذه الأشياء من أيدينا واحدة تلو الأخرى، ويبقى سؤال واحد فقط “ما أهم الأمور بالنسبة لنا؟” ونبدأ بترتيب أولوياتنا حسب أهميتها، لأن هناك أشياء كثيرة ننتبه إلى أننا أهملناها أو أجّلناها، هنا يصدق قول الله تعالى سُورَةُ المُؤۡمِنُونَ (حَتَّىٰۤ إِذَا جَاۤءَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ رَبِّ ٱرۡجِعُونِ ٩٩ لَعَلِّیۤ أَعۡمَلُ صَـٰلِحࣰا فِیمَا تَرَكۡتُۚ كَلَّاۤۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَاۤىِٕلُهَاۖ وَمِن وَرَاۤىِٕهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ یَوۡمِ یُبۡعَثُونَ ١٠٠).
المرض حالة مصغّرة للموت، يعطينا لمحة عن “لو رجعت”، فنرجع لأنفسنا ونصلح ما كنا نؤجله صلة رحم مقطوعة، أو اعتذارًا تأخر، أو عبادة هجرناها، أو علاقة أهملناها، فالتعب والمرض يكشفان الزيف وينزعان الأقنعة، فنحن إذا كنا بكامل طاقتنا نتحمل الناس، ونضحك على مواقف قد تكون مزعجة لنا، ونقول “عادي”، ومع المرض نجد أنه ليس لدينا طاقة للمجاملات، ولا وقت للمعارك الجانبية، وهنا نكتشف أن الصحة أهم من كل شيء.
وقال النبي ﷺ: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» رواه البخاري.
والغبن هنا أننا لا نعرف قيمة الصحة إلا إذا فقدناها، والمرض يأتي ليعلّمنا كيف نستخدم الصحة استخداماً صحيحاً عندما تعود، والمرض يصلح قلوبنا قبل أجسادنا، ففي كثير من الأحيان نركض وراء الدنيا وننسى قلوبنا، نواصل الركض حتى ينهار الجسد ويقول “كفى”.
فالمرض هنا رحمة توقفنا قبل أن نحترق، وتقول لنا نراجع نومنا، ونراجع أكلنا، ونراجع علاقتنا بربنا، ونفكر في صحتنا ونهتم بها، هنا يأتي المرض فيهذّب القلب، ويعلّمنا التوكل بدل القلق، والرضا بدل السخط، والدعاء بدل الشكوى، فالمرض والتعب مرآة ومعلّم، والسرير مدرسة نتعلم منها أن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء.
علينا أن ننظر إلى المرض على أنه “إعادة تشغيل، وإعادة تفكير، ومحاسبة للنفس”، فترة يجبرنا الله فيها على الصيانة؛ صيانة الجسد، وصيانة القلب، وصيانة العلاقات، فإذا عدنا أصحاء، فلا نرجع إلى الركض الأعمى نفسه، بل نستفيد من الدروس التي تعلمناها ونحن متعبون وفي عز المرض.
نحتفظ بالأشياء التي اكتشفنا أهميتها على السرير، ونرمي الأشياء التي اكتشفنا تفاهتها، نعم لم نُشفَ من المرض، ولكن شُفينا به، لم نُشفَ منه بالدواء والإبر فقط، بل بدأ شفاؤنا الحقيقي عندما سمعنا صوت قلوبنا، فأحياناً يكون أفضل ما يصلح حياتنا ويغيرها إلى الأفضل هو ذلك اليوم الذي نتوقف فيه رغماً عنا.



