فَمَن تَبِعَ هُدَايَ – 3…. خُطُوَاتُ الشَّيْطَانِ… وحُجُبُ الهداية
زاهر بن سيف بن سلطان المسكري

بعد أن تحدثنا في الحلقة الأولى عن وجوه الهداية، ثم وقفنا في الحلقة الثانية أمام أنهارها المتعددة؛ هداية الوحي والعقل والقلب والعمل والزيادة والاصطفاء والجمال والتاريخ والألم والمحبة… يبرز سؤال كبير لا بد أن يطرحه كل قارئ للقرآن:
إذا كانت أبواب الهداية كثيرة إلى هذا الحد… فلماذا يضل الإنسان؟ ولماذا يرى بعض الناس الآيات ثم لا يتبعونها؟ ولماذا يعرف الإنسان الحق أحيانًا ثم يعجز عن السير إليه؟
والجواب القرآني العجيب أن المشكلة ليست دائمًا في غياب النور…بل في وجود الحُجُب.
فالشمس قد تكون مشرقة، لكن النافذة المغلقة لا يدخلها الضوء. ولهذا لم يكتف القرآن بالدعوة إلى الهداية، بل حذّر من الموانع التي تحجبها.
ومن أعظم المفاتيح لفهم هذه الحجب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾
ولو تأملنا الآية لوجدنا سرًا بديعًا… فالقرآن لم يقل: لا تتبعوا طريق الشيطان. ولم يقل: لا تتبعوا الشيطان فقط. بل قال ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾
أي أن الانحراف غالبًا لا يبدأ بالسقوط الكبير، بل بخطوة صغيرة، ثم أخرى، ثم أخرى… حتى يجد الإنسان نفسه بعيدًا جدًا عن المكان الذي كان فيه. فالشيطان لا يهدم القلاع دفعة واحدة… بل يفتح ثغرة.
ولا يطفئ الشمس…بل يضع حجابًا. وهنا تبدأ حجب الهداية.
1 – حجاب الكِبْر… أول خطوة في طريق السقوط
أول معصية كبرى في الوجود لم تكن الزنا، ولا القتل، ولا السرقة… بل كانت الكبر. قال تعالى عن إبليس: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾
إبليس لم ينكر وجود الله بل كان مؤمناً بالوجود والخلق والامر ولذلك قال (ربي أمهلني) .
بل خاطب الله. ولم يجهل الأمر. بل فهمه. لكن المشكلة كانت في الكِبر. لقد رأى نفسه أكبر من الامتثال.
ومن هنا نفهم أن الكبر لا يمنع العلم… بل يمنع الهداية. فكم من إنسان يعرف لكنه لا يخضع.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾ فالحق لا يدخل قلبًا ممتلئًا بنفسه. وكلما ازداد الإنسان تواضعًا ازداد قابلية للهداية.
2- حجاب التزيين… حين يبدو الباطل جميلًا
من أخطر خطوات الشيطان أنه لا يقدم الباطل في صورته الحقيقية. بل يزينه. قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ وهذه مرحلة خطيرة جدًا لأن الإنسان ما دام يعلم أنه مخطئ فباب الرجوع مفتوح. لكن إذا رأى الخطأ فضيلة… هنا تبدأ الأزمة.
قد يزين الغضب باسم الكرامة. وقد يزين الكبر باسم العزة. وقد يزين الشهوة باسم الحرية. وقد يزين الظلم باسم المصلحة. ولهذا كان من دعاء بعض السلف: اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
لأن المشكلة ليست دائمًا في غياب الرؤية… بل أحيانًا في تشوهها.
3- حجاب الهوى… الإله الخفي
قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ تأمل التعبير…لم يقل: اتبع هواه.بل: اتخذ إلهه هواه. أي أن الهوى أصبح مرجعًا أعلى.
وهنا يفقد العقل حياده. ويصبح الإنسان لا يبحث عن الحق… بل عن الذي يوافق رغبته. وهذا من أخطر حجب الهداية.
فالهوى قد يجعل الإنسان يرفض الحق لا لأنه باطل… بل لأنه ثقيل على النفس. ولهذا قال بعض الحكماء: أصعب الانتصارات انتصار الإنسان على نفسه.
4 – حجاب التسويف… لصّ الأعمار الخفي
من أخطر خطوات الشيطان أنه لا يطلب دائمًا من الإنسان أن يرفض الحق… بل أن يؤجله.سأتوب غدًا…سأبدأ لاحقًا سأصلح نفسي بعد حين…وسأقترب من الله عندما أفرغ ويمضي العمر. ولهذا قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾
فالشيطان يعلم أن التأجيل قد يحقق ما لا تحققه المعصية.
لأن الزمن نفسه يتحول إلى سارق.
5 – حجاب الغفلة… النوم الروحي
قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ والغفلة ليست دائمًا جهلًا. بل قد تكون نسيانًا لما يعرفه الإنسان.
قد يعلم المرء أن الدنيا فانية… لكنه يعيش كأنها أبدية. يعلم أن الموت قريب… لكنه يؤجل كل شيء. يعلم قيمة الصلاة…لكن الغفلة تسلبه حرارة الإقبال.
ولهذا كانت الذكرى من أعظم وسائل الهداية: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فالذكر يوقظ. والغفلة تنيم.
6 – حجاب الدنيا… حين تصبح الوسيلة غاية
قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾
الدنيا ليست مذمومة في ذاتها. فالقرآن دعا إلى العمل والعمران. لكن الخطر حين تتحول الوسيلة إلى غاية. حين ينسى الإنسان لماذا خُلق. وحين يأخذ من الدنيا أكثر مما تعطيه روحه. فتزداد الأشياء حوله… ويقل النور داخله. ولهذا قال بعض العارفين: اجعل الدنيا في يدك لا في قلبك.
7- حجاب الذنب… الرَّان الذي يغطي القلب
قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾الرَّان ليس انطفاء القلب دفعة واحدة. بل تراكم. ذنب فوق ذنب. وغفلة فوق غفلة. حتى تصبح الرؤية أصعب.
ولهذا شبّه بعض العلماء القلب بالمرآة. كل ذنب يترك أثرًا. فإن مُسحت بالتوبة أشرقت. وإن تُركت تراكم عليها الغبار.
8- حجاب اليأس… آخر مصائد الشيطان
الشيطان لا يريد فقط أن يوقع الإنسان في الخطأ. بل يريد أن يمنعه من العودة. ولهذا يهمس: لقد انتهيت… لقد كثرت ذنوبك… لا أمل… لكن القرآن يهدم هذا الحجاب كله بقوله ﴿لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾
بل إن من أسماء الله: الغفور. الرحيم. التواب. فباب العودة مفتوح ما دام القلب ينبض.
٩- حجاب التقليد الأعمى
قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ﴾ القرآن لا يحارب الوفاء للتراث. لكنه يحارب تعطيل العقل. فالهداية تحتاج قلبًا يسأل. وعقلًا يتأمل.وروحًا تبحث. ولهذا امتلأ القرآن بأسئلة التفكر: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾ ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ﴾
وهنا يظهر السر كله…الشيطان لا يبدأ من القمة… بل من الخطوة. ولا يصنع الضلال دفعة واحدة… بل يصنع الحجاب. حجابًا فوق حجاب. حتى ينطفئ النور.
ولهذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}
لأن الخطوات الصغيرة قد تنتهي بمسافات عظيمة. وكما أن الشيطان يقود الإنسان خطوةً نحو الحجاب… فإن الله يقوده خطوةً نحو النور. هداية… ثم زيادة… ثم فتح… ثم قرب. ولهذا لم يكن أعظم دعاء يتكرر كل يوم: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ لأن الإنسان لا يخاف فقط أن يضل الطريق… بل يخاف أن تُحجب عنه الهداية وهو لا يشعر. فاللهم لا تجعل بيننا وبين نورك حجابًا… ولا بين قلوبنا وبين هداك ستارًا… واجعلنا من الذين إذا جاءهم الهدى اتبعوه…فلا ضلوا… ولا شقوا. ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾



