الخل العُماني بولاية العوابي.. نكهة الموروث التي تُهديها الأجيال
العوابي - محمد بن هلال الخروصي

تحتفظ الذاكرة الغذائية العُمانية بخصوصية فريدة تتجلى في تفاصيل صناعاتها المنزلية التقليدية؛ ففي ولاية العوابي بمحافظة جنوب الباطنة، لا يزال إعداد “الخل العُماني” يمثل طقساً سنوياً يفوح بعبق الماضي، وإرثاً حياً تناقلته الأيدي عبر العقود ليتحول من مجرد ممارسة معيشية إلى وثيقة ارتباط بالهوية والموارد المحلية.
يروي علي بن عبيد الخروصي حكايته مع هذه الحرفة التي ورثها عن والده -رحمه الله- ومارسها منذ ثمانينيات القرن الماضي، مسترجعاً تفاصيل التحولات التي طرأت على أدوات الإنتاج. يقول الخروصي:
“في السابق، كانت عملية التخمير تعتمد كلياً على أوعية فخارية ضخمة تُعرف محلياً باسم (الخروس)، كنا نجلبها خصيصاً من ولايتي بهلاء وفنجاء الشهيرتين بصناعة الفخار. ورغم جودة تلك الأواني وعراقتها، إلا أنها كانت تتطلب جهداً ومتابعة دقيقة، نظراً لطبيعة الفخار المسامية التي تؤدي إلى تسرب السوائل، مما يضطرنا لزيادة الماء بشكل دوري للحفاظ على منسوب المزيج”.
ومع تبدل الأدوات ودخول الوسائل الحديثة، استبدل الخروصي وغيره من صناع الخل تلك الأوعية الفخارية بالبراميل البلاستيكية، التي وفرت سهولة أكبر في الحفظ والتحكم بالسوائل، دون أن يمس هذا التغيير الطريقة التقليدية المتوارثة في التحضير.
تعتمد صناعة الخل العُماني على معادلة قوامها الصبر والخبرة الممتدة؛ حيث يتشكل المنتج من مكونات محلية بسيطة تتكامل لتعطي النكهة اللاذعة المميزة. يخلط التمر بالماء والملح، وتُضاف إليه قرون الفلفل الأحمر الحار، والثوم، وأوراق “السَّنوت” أو ورق الغار.
يُغلق المزيج بإحكام ويُترك ليخوض عملية تخمر طبيعية لا تقل مدتها عن أربعين يوماً، وهي الفترة الكفيلة بنضج الخل واكتسابه قوامة العطري والغذائي المطلوب.
لا ترتبط هذه الحرفة لدى عائلة الخروصي بالجانب التجاري، بل هي التزام اجتماعي وقيمة إنسانية تتجدد مرتين في العام؛ حيث يتم إعداد الخل تزامناً مع قرب حلول عيدي الفطر والأضحى المباركين، نظراً للاعتماد الأساسي عليه في تتبيل اللحوم وإعداد الوجبات العُمانية التقليدية المرتبطة بأيام العيد.
ويختتم علي الخروصي حديثه بالإشارة إلى البُعد التكافلي لهذه الحرفة قائلاً: “أقوم بإعداد الخل وتوزيعه بالمجان على الأهالي وكل من يقصده؛ وهناك إقبال كبير ومتزايد من المواطنين الذين يحرصون على اقتناء هذا المنتج الأصيل، والحمد لله أن وفقنا للحفاظ على هذا الإرث وبقائه حياً ومتاحاً للجميع”.



