الثقافي

السبلة العمانية.. أكاديمية الأجيال الأولى ومستودع الحكايا

محمد بن حمود بن شيخان الكلباني

تعد ملتقيات الأجيال كينونة إنسانية متجددة، تحمل رسالة تتوارثها الأجيال من جيل إلى جيل. هي كيان يرتكز على أكتاف كبار السن وذوي الخبرة الطويلة، محتواه الموروثات الأصيلة التي تتناقلها الأجيال.

لقد لمستُ شخصياً أثر ذلك الحمل لدى كبار السن وأنا في ربيع الطفولة، بين السابعة والثامنة من عمري، دون أن أدرك آنذاك مقاصد ما يحدثونني به، إلا بعدما بلغتُ سن أولئك الرجال السابقين؛ ففاتني إدراك الكثير مما ألقوه على مسامعي. هنا، في هذا العمر المتقدم، بدأت أفهم وأستدرك ما فاتني، وأستعيد ما سمعته من كبار السن قبل قرابة سبعين عاماً.

كانوا في ذلك الوقت يبدون كالملتلهفين حين يرونني ألعب بين الصبية، فيجتذبونني بصوت مفعم بالأبوة واللطف، تعززه إشارات اليد ونبرة هادئة: “تعال يا محمد.. تعال”. وعندما أقترب من أحدهم، يبادرني بالسؤال عن “فزورة” الأمس، أو قصيدة من فن “المسبع”، أو آية قرآنية كانوا يستشهدون بها في مواضعها المناسبة كتمثيل بليغ للمعنى. في ذلك الحين، لم أكن أدرك هذا المفهوم التراثي، بل كان يحركني الشغف بمعرفة ما يدور حولي، متأثراً بالتشجيع والتحفيز من مختلف الفئات العمرية والمواهب، سواء من المتدينين أو الشعراء أو قراء الكتب والقرآن.

كانت الكتب المتداولة في قريتنا الصغيرة تضم “جوهر النظام”، “تلقين الصبيان”، “تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان”، وقصص “الزير سالم” وأخيه “كليب”. وكان القراء الضيوف من ذوي المعرفة، شعراء أو علماء، يتميزون بـ “شرط خفي”، وهو أن يمتلك القارئ صوتاً جميلاً جذاباً وتلحيناً يطرب الحاضرين.

كانت مجالسهم بمثابة “الكتاب الناطق” بمسارات الحياة، تتطرق إلى الجوانب التربوية وما بعدها. ولعلني كنت الوحيد بين الصبية الذي يصغي ويشحن مستودعات الذاكرة بما يقال في “السبلة” العائمة فوق حكايات الزمان الحقيقية والأسطورية. كانت السبلة تمثل “المجمع الرئيسي الشامل”؛ فهي تقوم مقام الإعلام في العصر الحالي، فضلاً عن كونها مقراً دائماً لاتخاذ القرارات المتعلقة بمصالح البلدة وتبادل الأخبار.

المقابلات وتوثيق الوقائع

إن مقابلة الأشخاص داعم أساسي لتعزيز سرد الوقائع المنقولة من الواقع الحي؛ لذا ينبغي أن يكون الراوي واقعياً في نقل الأمانة للقارئ، ليستمتع بقراءة الماضي عبر وجوه شهود العيان المعاصرين لمختلف الأحداث.

قد يتساءل البعض عن الداعي لإدراج الأسماء كاملة ضمن نصوص المقابلة؛ والإجابة تكمن في تعريف القارئ (آباءً وأحفاداً) بسيرة السلف وما بذلوه من جهد لإيصال رسائلهم الحية إلى عصرنا المتجدد. شخصياً، أفتخر بالسلف كلما سمعت أو قرأت عن شخص ترك بصمة يفتخر بها، سواء كان عالماً، أو شيخ قبيلة، أو حاكماً، أو تاجراً، أو مزارعاً، أو صاحب حرفة؛ فلكل دوره في مضماره.

إن تدوين هذه المقابلات يمنح الثقة للكاتب والقارئ معاً، بعيداً عن الشكوك والالتباس. وقد لاحظت ارتياح كبار السن وهم يصححون للقارئ والمتحدث لضمان سلامة الموضوع ودقته.

تجربة شخصية

قدمتُ من “الجزيرة الخضراء” إلى عمان في سن الخامسة أو السادسة، ثم عدتُ إلى تنزانيا بعد غياب قارب الثلاثين عاماً، حيث وجدتُ خالتي في دار السلام. كانت تحب الجلوس معي لأحدثها عن عمان والجزيرة الخضراء (موطن مولدي). كانت تستمتع بسردي للأحداث، وكلما توقفت، أكملت هي لي الباقي. وكما يقال: “لكل مقام مقال”، ومن هنا نما تركيزي الذهني على متابعة دوران عجلة الأزمان وما تطوي عليه من أحداث.

مجالسة كبار السن متعة بحد ذاتها، يستمتع بها المستمع والمتحدث على حد سواء. إنهم كنز من كنوز الكون الخفية، وقصصهم غير قابلة للإهمال أو النسيان. لذلك اجتهدتُ في مقابلة من تيسر لي لقاؤهم، وكان أسلوبي “ارتواء السير الذاتية” ونبش مكنونات “المناديس” المغلقة ومصاعب الحياة التي كابدها السلف.

اقتباسات من الجد

كان جدي هو المعلم الأول، ولن أنسى فضله أبداً. كان يحبني كثيراً رغم شدة طبعه أحياناً. كنت أرافقه بين النخيل والمزارع وفي جلسات السبلة. ورغم طفولتي، كان يشجعني على تسلق النخيل لتعلم “التنبيت والتحدير”، ويسألني عن عدد الثمار. تعلمت منه العادات والتقاليد، وكان يتميز بالشدة في المواقف التي تستدعي الحزم، واللين في طرح الرأي دون تحيز.

كان يستشهد بالقرآن كثيراً، مثل قوله تعالى: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ}، وقوله {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ}، وقوله {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ}.

فرحة الختم والتحصيل العلمي

فرح جدي كثيراً حين افتتحتُ مدرسة القرآن. كان يقص علينا قصصاً قبل النوم، مثل قصة سيدنا يوسف والحكايات الأسطورية، ويعلمنا لغة “الدرسعي والريحاني”. لقد أحببتُ صوت قراءته للقرآن، وبحثتُ طويلاً عن بداية “آية الكرسي” حتى وجدتها في سورة البقرة.

بفضل متابعته وتشجيع المعلم علي بن مسعود المعمري، اجتهدتُ في الحفظ والكتابة على اللوح الخشبي بـ “المداد الرخامي”. ختمتُ القرآن في سبعة أو ثمانية أشهر، وصرتُ حديث المجالس. واصل جدي متابعتي بقراءة “تحفة الأعيان” وقصائد “المسحورة” والخطابات التاريخية، حتى أصبحتُ أكتب “البروات” (الرسائل) وأقرأ الخطابات الواردة من زنجبار وقطر وغيرها.

الخزينة والكنز

لطالما سمعت حكايات “الخزينة” المدفونة في الجدران، وظننتها خيالاً حتى عام 2020م، حين زرتُ صديقاً في “الخوض”. حكى لي كيف أنه، وهو يرمم بيته القديم في “الرستاق” بنفسه، وجد “جحلة” (إناء فخارياً) في منتصف الجدار تحتوي على كنزه الموروث. لقد كانت قصة واقعية أعادت للأذهان قصة “الغلامين والكنز” في سورة الكهف.

جوهرة الذكريات

كنا ثلاثة تلاميذ قادمين من زنجبار، نزلنا في قرية “حيل الغافة”. ورغم اختلاف لغتنا في البداية، إلا أن الجميع تودد إلينا. تنافستُ مع زميليّ (سعيد ومحمد ابني علي بن ناصر العماني) في الدراسة، فسبقاني في الختم بشهر، لكن ذلك التنافس كان الدافع الأكبر للتفوق. كانت أياماً جميلة، وأعمالاً هي الأجمل، تعلمتُ فيها أن مجالسة كبار السن هي “مجلس ثقافي” متكامل يعبر عن موروث الأسلاف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى