جولة المجلة

سحر قرطبة في بنجلور.. قصة مسجد القادرية وتفاصيله المعمارية الفريدة

زاره: سعيد النعماني

يعد مسجد القادرية (Masjid-E-Khadriya) في مدينة بنجلور بولاية كارناتاكا الهندية صرحاً معمارياً بارزاً، يجمع في تفاصيله بين عراقة التاريخ الإسلامي في القارة الهندية وبين سحر الفنون الأندلسية والمغاربية. يقع هذا المسجد ضمن مجمع “إيدجا قدوس صاحب” التاريخي في شارع ميلرز، ويمثل واجهة حضارية تعكس التطور العمراني والهوياتي للمجتمع الإسلامي في هذه المدينة الحيوية.

الجذور التاريخية والوقفية
تعود ملكية الأرض التي شُيد عليها المسجد إلى مطلع القرن العشرين، حيث ترتبط بشخصية “قدوس صاحب”، الذي تولى منصب “قاضي القضاة” في بنجلور خلال فترة الحكم البريطاني. عُرف قدوس صاحب بنشاطه الاجتماعي والخيري الواسع، وقام بشراء هذه المساحات الشاسعة وتخصيصها كأوقاف إسلامية تشمل مقابر ومصليات للأعياد (إيدجا).
عقب وفاته في عام 1905، استمر الموقع في أداء رسالته كمصلى عيد يتوافد إليه الآلاف سنوياً. ومع التوسع العمراني السريع لبنجلور، برزت الحاجة إلى بناء مسجد جامع متكامل يلبي احتياجات المصلين اليومية، فكان قرار إنشاء مسجد القادرية بصورته المهيبة الحالية ليكون مركزاً روحياً واجتماعياً نابضاً.

التصميم المعماري: استلهام الأندلس
اعتمد المهندسون في تصميم المسجد على فلسفة بصرية تستدعي أمجاد العمارة الأموية في الأندلس، وتحديداً “جامع قرطبة” الشهير، مما أضفى على المبنى طابعاً فريداً يغاير الأنماط التقليدية السائدة في الهند.

1. منظومة الأقواس والممرات
تعتمد الواجهة والممرات الداخلية على “أقواس حدوة الحصان” المتكررة، وهي السمة المميزة للفن المغاربي. استُخدمت في هذه الأقواس تقنية “الأبلق” التي تعتمد على التناوب اللوني الدقيق بين الأبيض والأسود أو البني، مما يمنح المصلين والزوار شعوراً بالاتساع والسكينة. توفر هذه الأقواس تهوية طبيعية ممتازة، وتسمح بتدفق الضوء داخل أروقة المسجد بطريقة تبرز جماليات الزخارف.2. المآذن والواجهة
ترتفع في زوايا المسجد مآذن شاهقة تجمع بين الرشاقة والصلابة، وتتميز بنقوش هندسية دقيقة تتناغم مع القباب الصغيرة التي تعلو المبنى. تبرز الواجهة الرئيسية بألوانها الترابية الدافئة، مما يجعل المسجد نقطة جذب بصرية وسط المساحات الخضراء المحيطة به، ويؤكد على هيبة المكان ووقاره.

3. الزخارف وفن الخط
تزدان الجدران والأسقف بتشكيلات من “الأرابيسك” التي تعتمد على التوريق والأشكال الهندسية المتداخلة. كما تبرز الآيات القرآنية المنقوشة بخطوط عربية أصيلة حول المحراب والمداخل، لتعزز الأجواء الروحانية وتذكر الزوار بالهوية الإسلامية العميقة التي يمثلها هذا الصرح.

تحديثات العصر والاستدامة البيئية
شهد المسجد في السنوات الأخيرة عمليات تطوير تقنية شاملة جعلت منه نموذجاً للمنشآت الدينية الحديثة. ففي يونيو 2024، تم تدشين مشروع متطور لـ “حصاد مياه الأمطار وإعادة تدوير مياه الوضوء” بمناسبة يوم البيئة العالمي.
يعمل هذا النظام على جمع الأمطار من الأسطح الضخمة للمسجد ومعالجتها، إلى جانب تدوير المياه المستخدمة في الوضوء لاستغلالها في ري الحدائق والمساحات الخضراء التابعة للمجمع. تعكس هذه الخطوة وعياً بيئياً متقدماً، وتجسد قيم الحفاظ على الموارد الطبيعية في الفكر الإسلامي المعاصر.الدور الاجتماعي والخدمي
يؤدي مسجد القادرية مهاماً متعددة تخدم النسيج الاجتماعي في بنجلور:

المركزية الاجتماعية:

يضم المسجد قاعات ومرافق مهيأة لاستقبال المناسبات الاجتماعية مثل عقود النكاح، مما يعزز من دوره كنقطة تلاقي بين العائلات.

الخدمات اللوجستية:

تتوفر في المجمع مساحات واسعة لمواقف السيارات، ومرافق مجهزة لتجهيز الجنائز، مما يوفر خدمات ضرورية للمجتمع المحلي في مكان واحد.

البيئة الروحية المفتوحة:

يوفر الصحن الخارجي الفسيح المحاط بأشجار النخيل بيئة هادئة للعزلة والتأمل بعيداً عن صخب الحياة المهنية في المدينة، وهو ما يظهر جلياً في صور المسجد التي تعكس توازناً دقيقاً بين البناء والطبيعة.
يمثل مسجد القادرية في بنجلور قصة استمرار وتجديد للوقف الإسلامي، حيث تحولت الأرض التي أوقفها القاضي قدوس صاحب قبل قرن من الزمان إلى معلم عالمي يدمج بين الفن الأندلسي والاحتياجات الحديثة. يظل المسجد شاهداً على براعة المعماريين في نقل التراث عبر القارات، ليقف اليوم كواحد من أجمل مساجد الهند، محتفظاً بروحانية الماضي وتطلعات المستقبل في آن واحد.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى