مقالات

أَرجوحَــــــــة الزَمَــــــــن

مُزنَــــــة البلوشيَّــــــــــة

يمضي الزَّمنُ لا على خُطىً ثابتة، بل على أرجوحةٍ خفيّة، ترفع القلبَ حينًا إلى قمم الفرح، وتخفضه حينًا إلى وهاد الحزن. فلا ليلٌ يدوم، ولا فجرٌ يغيب؛ بل هي أيّامٌ تتعاقب تعاقب الموج على شاطئ العمر، مرّةً تعلو بالبهجة، ومرّةً تنكسر على صخور الأسى.

إنّ للحياة ألوانًا كألوان قوس المطر؛ فيها سوادُ الهمّ إذا ادلهمّت الغيوم، وبياضُ الأمل إذا انشقّت في الأفق شمس الرجاء. وكأنّ القلبَ طائرٌ معلّقٌ في أرجوحة الزمن؛ إذا هبّت رياح المحنة مال قليلًا، لكنّه ما يلبث أن يعود إلى اعتداله حين تهبّ نسائم الرضا.

ما بين دمعةٍ تترقرق في مآقي الليل، وبسمةٍ تتفتح في شفاه الصباح، تسير القافلة البشرية في طريقها الطويل. فكم من صدرٍ ضاق بهمٍّ ثقيل، ثم اتّسع بفرجٍ جميل؛ وكم من ليلٍ حسبه الناس سرمدًا، فإذا الفجر يطلّ كأنّه وعدٌ قديم لم يخلف موعده.

هكذا هي أرجوحة الزمن: يومٌ يكسوه الغيم، ويومٌ تكسوه النجوم؛ ساعةٌ تُثقِل الروح بأنينها، وساعةٌ تُخفّف القلب بترانيمها. فالحزن فيها ليس نهاية الطريق، بل ظلّ شجرةٍ يعقبه ضوء؛ والفرح ليس تاجًا دائمًا، بل زهرةٌ تتجدّد إذا سُقيت بالصبر.

وما أصدق الحكمة التي تهمس بها الأيام في آذان العابرين: إنّ الحياة بحرٌ تتبدّل أمواجه، فمن صبر على مدّه أدرك جزرَه، ومن صمد في ليله أبصر فجره. فدع القلب يتأرجح قليلًا على أرجوحة الزمن، لكن لا تدعه يسقط؛ لأن وراء كل تعبٍ طمأنينة، ووراء كل أسى فسحة، ووراء كل ليلٍ شمسًا تستيقظ في موعدها.

وهكذا يبقى الإنسان بين حزنٍ يعلمه الصبر، وفرحٍ يعلمه الشكر، وبينهما تمضي الأيام في سجعٍ خفيّ، كأنّها قصيدةٌ طويلة كتبها الزمن بحبر التجارب، وزيّنها الله بألوان الحياة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى