مقالات

حين يعوّضك القدر

صالح بن سعيد الحمداني

الحياة رحلة طويلة تحمل بين طياتها أفراحاً وأحزاناً مكاسب وخسارات كم مرة فقدنا أشخاصاً أحببناهم؟ كم مرة خذلتنا الظروف أو خسرنا فرصاً كنا نظن أنها لن تُعوَّض؟ غير أن سرّ الحياة يكمن في قدرتها الدائمة على المفاجأة، فما تظنه خسارة نهائية قد يكون تمهيداً لربح أعظم وما يغلقه القدر من أبواب قد يفتح غيره في وقت غير متوقع، ولعل أعظم مفاجآت الحياة أن تمنحك في لحظة شخصاً واحداً أو أملًا جميلًا وحلمًا إنتظرته ووجوده وحده يعادل كل ما فقدته من قبل ويُسعدك كأنك لم تسعد من قبل.

من الطبيعي أن يمر الإنسان بتجارب فقد أو خيبة، يخسر صديقاً ظنه وفياً أو علاقة وضع فيها قلبه أو فرصة مهنية كان يحلم بها، هذه الخسارات مهما اختلفت أشكالها تترك أثراً في النفس وتجعل الإنسان يظن أن الحياة قاسية بلا رحمة.

غير أن هذه المحطات ليست نهاية الطريق إنما فصول من كتاب أكبر، فالخسارة تعلمنا الصبر وتمنحنا قوة داخلية، وتكشف لنا قيمة ما هو باقٍ، ثم يأتي ذلك اليوم غير المتوقع حين يظهر شخص في حياتك قد يكون صديقاً أو شريكاً أو حتى معلماً يحمل في حضوره معنى مختلفاً، وجوده يعيد للروح ثقتها ويجعل القلب ينسى مرارة الخسارات الماضية، أو يتحقق لك حلمًا كنت تحسبه مستحيلًا وأمل ظننت أنه صعبًا، لحظتها سوف تحس كأن الحياة تعتذر لك عبره أو كأنها تقول “كل ما فقدته كان الطريق إليّ”.

هذا الشخص بصدقه ودفئه ووفائه يعادل كل الخسائر وذلك الحلم الذي طال انتظاره تحقق فأسعدك ، وتلك الفكرة التي نورت عقلك تحولت لواقع جميل ، كل هذا يجعلك تشكر الظروف التي مررت بها لأنها أوصلتك إليه وعشت فيه.

الحياة لا تسير وفق خططنا دائماً، كثيراً ما نتوقع الخير من مكان ما فنُفاجأ بالخذلان بينما يأتي الخير من حيث لم نحتسب، هذا هو سرها أنها لا تكشف أوراقها دفعة واحدة، ولكنها تحتفظ ببعض الهدايا لتفاجئنا بها في اللحظة المناسبة، ومن يدري؟ ربما يكون الحلم الذي سيغير حياتك في طريقه إليك الآن بينما أنت مشغول بعد خساراتك القديمة.

النوعية من يعوض الانسان وليس الكثرة فقد تعرف مئات الأشخاص لكن واحداً فقط هو من يترك أثراً حقيقياً، وتحلم بالكثير من الأحلام الوردية ولا يتحقق إلا حلمًا واحد، شيئًا واحد صادق يُشعرك أنك كافٍ كما أنت قد يكون أثمن من سنوات قضيتها بين في ما لا ينفعك، ومن هنا فإن القيمة لا تكون فيما نخسره أو نكسبه عددياً بل فيما يمنحنا شعوراً بالأمان والانتماء.

أجمل ما في هذه الفكرة أنها تمنحنا الأمل، مهما كنا مثقلين بالخسارات يبقى احتمال أن نعثر على حلم يعوضنا قائماً، وهذا الأمل وحده كافٍ ليجعلنا نستمر لنفتح قلوبنا رغم الألم ولنؤمن أن القادم قد يحمل لنا ما هو أفضل فالحياة لا تعرف المستحيل والإنسان الذي فقد الكثير قد يكون على موعد مع ربح عظيم لم يكن في الحسبان، الحياة تعلمنا أن كل تجربة حتى المؤلمة منها هي خطوة نحو ما هو أعظم، الخسارة تربي فينا الصبر وتعلمنا قيمة الاختيار الصحيح بينما المكسب يثبت لنا أن الصبر لم يذهب سدى، حين يأتي الأمل الذي يعوضنا عن كل ما مضى ندرك أن كل الدموع لم تكن عبثاً وأن كل الأبواب المغلقة لم تكن إلا لتهدينا إلى الباب الصحيح.

ولنعلم بأن الجملة البسيطة “من يدري؟” تحمل في طياتها فلسفة عميقة فهي تختصر عدم يقين الحياة وفي الوقت نفسه تحمل أجمل معاني الأمل، قد لا نعرف ماذا يخبئ لنا الغد لكن يكفي أن نؤمن أن الغد قد يحمل ما يعوضنا، قد نخسر كثيراً في الطريق لكن شخصاً واحداً أو حلمًا وأملًا واحد في الوقت المناسب قادر على أن يجعلنا نبتسم من جديد ونقول “لقد كان يستحق كل ما مررت به”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى