في إحدى رحلاتي الشتوية، زرتُ إحدى الدول، وكانت من محاسن تلك الرحلة أنني دخلتُ مدينةً احتضنت مكتبةً ضخمةً، تفيض رفوفها بالكتب، وتزخر أروقتها بالرسائل الجامعية، ويؤمّها الطلاب والطالبات ينهلون من معين علومها، ويتتبعون في جنباتها كنوز الدراسات والمخطوطات.
لم تكن المكتبة مقصدًا للباحثين فحسب، بل كانت أيضًا مَعلمًا يقصده الزوّار والسياح؛ ليشهدوا عظمتها وروعة تنظيمها. وبين هذا الزحام الهادئ، شدّ انتباهي مشهدٌ لا يُنسى: طلابٌ غارقون في كتبهم، مستغرقون في قراءاتهم، كأن بينهم وبين العالم حجابًا من التركيز.
لم تشتّت انتباههم حركة الداخلين، ولا همسات الزائرين، ولا حتى الأصوات الخفيفة التي كانت تصدر هنا وهناك، والتي كان يُنبَّه أصحابها برفق. ومع ذلك، ظلّ أولئك الطلاب ثابتين، لا تلتفت أبصارهم، ولا تنصرف عقولهم عمّا بين أيديهم.
عندها أدركتُ أن صاحب الهدف الحقّ لا تزعزعه الظروف، ولا تُضعف عزيمته المؤثرات من حوله؛ بل تزيده تلك التحديات إصرارًا، وتشحذ همّته للمضيّ قدمًا نحو غايته النبيلة وهدفه الأسمى ،فصاحبه لايحيد عنه.
ختاماً يقول الكاتب الكبير مصطفى صادق الرافعي:
اقرأ لتعيش أكثر من حياة، ولترى ما لا يُرى.


