
الحج رحلة القلوب والمشاعر والوجدان، موسم تتجلى فيه رحمة الله تعالى، وتستعد فيه الأرواح قبل الأبدان؛ حيث تفيض البركات والرحمات، وتلفح القلوب نفحات تزكية وصفاء للنفس. نتحدث هنا عن الركن الخامس من أركان الإسلام، الذي أوجبه الله سبحانه وتعالى على كل مسلم ومسلمة مرة في العمر بشرط الاستطاعة، وهي توفر الزاد والراحلة، ويضاف إلى ذلك للمرأة وجود مَحرم معها أو صحبة مأمونة.
وقد اتفق الفقهاء على أن الحج فرض عين على كل مسلم مكلف مستطيع في العمر مرة واحدة. وقد ثبتت فرضية الحج في القرآن الكريم؛ قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97]. كما أشار القرآن إلى بناء البيت العتيق بقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127]. وقال سبحانه: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: 27].
لقد فرض الله تعالى الحج وأوضح أحكامه في آيات عديدة، منها:
* قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196].
* وقوله سبحانه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 197].
وفي ذكر مناسك الحج وشعائره كالصفا والمروة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 158]. كما أكد سبحانه على تعظيم هذه المناسك بقوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].
والحج من أعظم أسباب تكفير الخطايا والسيئات؛ فإذا حج العبد حجاً مبروراً رجع من حجه كيوم ولدته أمه طاهراً من الذنوب. ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: **”مَنْ حَجَّ فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه”** (رواه البخاري). وظاهر الحديث يدل على غفران صغائر الذنوب وكبائرها.
وفي مقالنا المتواضع، سنتطرق إلى أهم أدعية الحج التي يدعو بها الحجيج أثناء تأدية المناسك:
**أدعية الحج والعمرة (أدعية المناسك):**
* **التلبية:** “لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ”.
* **عند رؤية الكعبة:** “اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً، وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وَكَرَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ أَوِ اعْتَمَرَهً تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَبِرًّا”.
* **عند الطواف:** “بِسمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكبرُ، اللَّهُمَّ إِيمَانًا بِكَ وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ”.
* **بين الركن اليماني والحجر الأسود:** “رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ”.
* **عند الصفا والمروة:** “لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”.
* **الدعاء في عرفة:** “لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له المُلْكُ وله الحَمْدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ”.
**أدعية عامة مأثورة:**
* “اللهم اجعله حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً”.
* “اللهم إني أسألك رضاك والجنة، وأعوذ بك من سخطك والنار”.
* “اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل”.
وأختم هذا المقال بدعاء شامل لحجاج بيت الله الحرام والمعتمرين والزائرين:
اللهم إنا نستودعك حجاج بيتك الحرام في برك وبحرك وجوك، فاحفظهم بعينك التي لا تنام، واكلأهم برعايتك التي لا تُضام. اللهم يسّر عليهم أداء المناسك، وتقبل منهم السعي والمناجاة، واجعل حجهم مبروراً، وسعيهم مشكوراً، وذنبهم مغفوراً. اللهم ارفع عنهم التعب، وهون عليهم الحر، واصرف عنهم كل سوء ومكروه، وأرجعهم إلى أهليهم سالمين غانمين، كيوم ولدتهم أمهاتهم لا فاقدين ولا مفقودين. اللهم آمن روعاتهم، واستر عوراتهم، واجعل الحج سهلاً ميسراً، واقبل دعواتهم وأمنياتهم يا رب العالمين.



