الإعلام والسياحة الثقافية في ولاية الحمراء: من فكرة المبادرة إلى آفاق الاستدامة المؤسسية
كتب: هلال الهلالي

يشكل التفاعل الحي بين العمل الإعلامي والتنمية السياحية أحد أهم محركات التعريف بالهوية الوطنية والتراث الحضاري لولايات السلطنة. ومن هذا المنطلق، جاءت المبادرة الإعلامية التي احتضنتها ولاية الحمراء لتؤكد قدرة الأفكار الرائدة على تحريك المياه الراكدة، وتحويل اللقاء الصحفي والأدبي إلى منصة متكاملة للترويج السياحي والتوثيق الثقافي.
تجسد هذه التجربة، التي انطلقت باقتراح من عدد من الزملاء في ولاية الحمراء والفرق الداعمة لها، نموذجًا عمليًا للمبادرات الذاتية التي تنمو بالرعاية والتكامل. فقد تأسست الفكرة على رؤية استراتيجية تتجاوز اللقاءات العابرة إلى تسخير الأدوات الإعلامية والمنصات الحديثة للتعريف بما تزخر به ولاية الحمراء من معالم تاريخية، وطبيعة خلابة، وموروث حضاري أصيل.
تتجاوز الرسالة الإعلامية المرتبطة بالسياحة حدود نقل الصورة؛ لتسلط الضوء على المكنون الثقافي وتنشط الحركة الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة، وهو ما أثبتت المبادرة إمكانية تحقيقه بأدوات بسيطة ورؤية مخلصة.
تجاوز الملتقى الأطر الإعلامية التقليدية بالاستعانة ببيئة توثيقية متعددة الوسائط؛ حيث التقت القصيدة الشعرية بالصورة الضوئية، والتقرير الصحفي بالسرد الأدبي والتاريخي. وأضفى هذا التنوع المضموني على الرسالة الإعلامية بعدًا إنسانيًا عميقًا، مستحضرًا القيمة التراثية للمكان ومقدمًا إياها للجمهور بأسلوب يجمع بين الأصالة وحداثة الطرح.
وقد أسهم هذا المزيج في نقل تفاصيل الحياة في ولاية الحمراء—معالمها الأثرية، وحاراتها القديمة، وطبيعتها الجبلية—إلى المتابعين بطريقة تحول الخبر الصحفي من التقرير الجاف إلى محتوى توثيقي ممتع ومستدام.
لضمان استدامة هذه المبادرة وعدم انحصارها في تجربة فردية أو حراك وقتي، يبرز مقترح تحويل هذا التجمع إلى حدث منتظم ومؤطر تحت عنوان “الملتقى الإعلامي لإبراز معالم ولاية الحمراء”. إن وضع هيكل تنظيمي محدد يتيح توسيع دائرة المشاركة، وتحديد الأهداف المرحلية لكل نسخة، مما يعزز التغطيات الصحفية الشاملة ويخدم الأهداف التنموية والسياحية للولاية على المدى الطويل.
إن الانتقال بالفكرة من العفوية إلى المأسسة يمنحها قوة الاستمرار، ويجعل منها حدثًا سنويًا ينتظره الإعلاميون والمجتمع المحلي على حد سواء.
يمتد أثر هذه الملتقيات إلى الجانب الاجتماعي والنفسي للإعلاميين أنفسهم؛ فالعمل الصحفي بطبيعته يتسم بالضغط المستمر والمتطلبات اليومية المتسارعة، وتأتي مثل هذه اللقاءات الميدانية لتلبي حاجة إعلامية واجتماعية تتمثل في الترويح، وتوفير بيئة تفاعلية بعيدة عن أطر العمل الروتينية.
كما يتيح التواصل المباشر بين الكُتّاب والأدباء والصحفيين تبادل الخبرات، وتوليد أفكار جديدة، وتعميق الروابط الإنسانية داخل الأسرة الإعلامية، وهو ما ينعكس إيجابًا على جودة المنتج الصحفي وتماسكه.
أظهرت التغطيات والرسائل الرقمية التي تداولتها المنصات الإعلامية احتفاءً مجتمعيًا واسعًا بهذا الحراك؛ إذ لمس الجمهور والمتابعون القيمة الحقيقية للقصائد والصور والتقارير التي نُشرت عن الولاية. ويعكس هذا التفاعل الإيجابي عطش المجتمع لمثل هذه المبادرات النوعية، ويشكل قاعدة صلبة لتطوير النسخ القادمة.
إن نجاح تجربة ولاية الحمراء يقدم نموذجًا يُحتذى به في كيفية دمج الإعلام بالسياحة الثقافية، ويوفر خارطة طريق يمكن تعميمها في مختلف الولايات العمانية لإبراز كنزها الحضاري والتاريخي بروح إعلامية معاصرة


