مقالات

الاسم الذي لا سَمِيَّ له: قراءة تدبرية في تفرد اسم الجلالة

زاهر بن سيف بن سلطان المسكري

أسماء الله الحسنى أبوابٌ عظمى للمعرفة بالله، وأوسع ميادين الإيمان به، وأقرب السبل إلى تعظيمه ومحبته؛ وتجاوزُ حفظِ ألفاظها أو إحصاء قائمة أعدادها يفتح للعبد آفاق التدبر الفسيحة.

​وقد يقف أكثر الناس عند معاني كل اسم على حدة؛ فيتأملون في معنى الرحيم، والعليم، والحكيم، والقدير، والعزيز، والغفور…

لكن القرآن يدعونا إلى سؤالٍ آخر أعمق:

ما موقع اسم “الله” من جميع هذه الأسماء؟

وهل هو اسمٌ بينها فقط؟

أم أنه الاسم الذي تنتظم تحته جميع الأسماء الحسنى؟

​البداية من القرآن

قال الله تعالى:﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾

وقال سبحانه:﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾

​ولو تأملنا هاتين الآيتين لرأينا بناءً قرآنيًا بالغ الدقة؛ فالقرآن لم يقل:“والله من الأسماء الحسنى.”

ولم يقل:“الرحمن له الأسماء الحسنى.”

ولا:“العليم له الأسماء الحسنى.”

بل جعل جميع الأسماء الحسنى راجعةً إلى اسمٍ واحد: الله.

فكأن القرآن يرسم هرمًا معرفيًا، قمته اسم واحد، وتنبثق منه جميع أسماء الكمال.

​لماذا خلق الله فينا السمع والبصر والعلم والرحمة؟

لقد خلق الله في الإنسان السمع، ليعرف معنى السمع، ثم يوقن أن الله هو السميع على وجه الكمال.

وخلق فيه البصر، ليعرف معنى البصر، ثم يعلم أن الله هو البصير الذي لا تخفى عليه خافية.

وخلق فيه العلم، ليعلم أن الله هو العليم الذي أحاط بكل شيء علمًا.

وخلق فيه القدرة، ليوقن أن الله هو القدير الذي لا يعجزه شيء.

وخلق فيه الرحمة، ليعرف أن كل رحمة في الخلق إنما هي أثرٌ يسير من رحمة الرحمن.

وخلق فيه الإرادة، ليعلم أن إرادته محدودة حادثة، وأن إرادة الله نافذة لا يخرج عنها شيء في الكون.

​فالإنسان لا يشارك ربه في كمال الصفات، وإنما يعرف أصل المعنى الذي يرشده إلى تعظيم كمال الصفة الإلهية.

ومن هنا نفهم أن أسماء الله تلامس فطرة الإنسان وترتقي بها من المحدود إلى الكامل، ومن الممكن إلى الواجب، ومن المخلوق إلى الخالق.

​هل جميع الأسماء سواء؟

إذا نظرنا إلى أسماء الله الحسنى وجدنا أنها ليست من نوع واحد.

فهناك أسماء تدل على صفاتٍ يعرف البشر أصل معناها، كالعلم، والرحمة، والكرم، والحكمة، والسمع، والبصر. فهذه الألفاظ قد تستعمل في اللغة للمخلوقين، ولكن على وجه النقص، أما إذا أطلقت على الله فهي تدل على الكمال المطلق.

​وفي المقابل، نجد أسماءً يظهر أن معناها في ذاته يدل على تفردٍ لا يقبل المشاركة، مثل: الله، ​الأحد، ​الصمد، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن،

​فهذه الأسماء لا تشير إلى كمال صفة فحسب، بل تشير إلى تفردٍ مطلقٍ لا يتصور معه وجود نظيرٍ يشارك الله في حقيقته.

وهذا باب يحتاج إلى استقراءٍ علمي دقيق في القرآن ولسان العرب، لكنه باب جدير بالتأمل.

​الاسم الذي لا سَمِيَّ له

يقول الله تعالى:﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾

إنها آية قصيرة، لكنها تفتح أفقًا واسعًا.

فالقرآن لم ينفِ المثل فقط، ولم ينفِ الشبيه فقط، بل نفى أن يكون لله سَمِيّ؛ أي أن يكون هناك من يشاركه هذا الاسم على الحقيقة.

​ومن هنا يظهر تفرد اسم “الله”، فهو ليس اسمًا يضاف إلى بقية الأسماء، بل هو الاسم الذي تضاف إليه جميع الأسماء، ولذلك قال سبحانه:﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾

ولم يجعل اسم “الله” تابعًا لغيره.هل يقبل اسم “الله” التثنية أو الجمع؟

من الملاحظ أن القرآن لم يأتِ باسم الجلالة إلا مفردًا، ولم يرد فيه تثنية لاسم “الله”، ولا جمع له.

كما أن قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ يؤكد تفرده في هذا الاسم.

​وهنا يبرز تأملٌ جدير بالبحث:إن اسم “الله” يتجاوز كونه اسمًا ضمن الأسماء الحسنى؛ إذ هو الاسم الجامع الذي تنتظم تحته جميع أسماء الكمال، وهو الاسم الذي لا يُعرف له سَمِيّ، ولذلك جاء في القرآن على صورة التفرد المطلق.

وهذا استنباطٌ تدبري يحتاج إلى مزيد من الدراسة والاستقراء، وليس نصًا صريحًا في ذاته، لكنه ينسجم مع البناء القرآني للأسماء الحسنى.

​سيد الأسماء

إذا كانت الأسماء الحسنى أنهارًا… فاسم “الله” هو البحر.

وإذا كانت الأسماء الحسنى أشعة… فاسم “الله” هو الشمس.

وإذا كانت الأسماء الحسنى أغصانًا… فاسم “الله” هو الجذر.

​فالرحمن يدل على كمال الرحمة، والحكيم يدل على كمال الحكمة، والقدير يدل على كمال القدرة… أما اسم “الله” فلا يدل على صفة واحدة، بل يدل على الذات الإلهية الجامعة لجميع صفات الكمال.

ومن هنا يمكن أن يُقال – بوصفه وصفًا علميًا استنباطيًا – إن اسم “الله” هو الاسم الجامع الذي تنتظم تحته جميع الأسماء الحسنى.

​خاتمة

كلما ازداد المؤمن معرفةً بأسماء الله، ازداد تعظيمًا لله. وكلما ازداد تعظيمًا لله، صغرت في عينه الدنيا، وكبرت في قلبه الآخرة.

​ولعل أعظم ما نتعلمه من هذا التدبر أن أسماء الله الحسنى ليست كلماتٍ متجاورة، بل بناءٌ قرآني محكم، يتصدره اسم الجلالة “الله”، الذي تعود إليه جميع أسماء الكمال، والذي قال فيه سبحانه:﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾

​فسبحان من تفرد باسمه، كما تفرد بذاته، وتفرد بصفاته، وتفرد بكماله، وتفرد بملكه، وتفرد بألوهيته، وتفرد بأن جميع الأسماء الحسنى له، وإليه، وبه يُعرف، وبه يُدعى، وبه تحيا القلوب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى