مقالات

لقد ركضتَ لكنك عدتَ بنفسك

عبير بنت سيف الشبلية

في سباق السرعة للوصول إلى الهدف، تسعى لأن تُرى وأن يُسمَع صوتك، لكن الشخص الذي تريده بشدة لن يرى ولن يسمع. عواصف تعصف بداخلك، وعالقة في الرأس كضجيج داخلي لا يتوقف، فتشعر بثقل غامض يجثم على صدرك، والتوتر بلغت شدته أوجها؛ لا تستطيع التنفس بينما الغرفة خالية صامتة تلفها سكينة غريبة، كأنها تنتظر شيئاً لم يحدث بعد.

لقد ركضتَ، لكنك عدتَ بنفسك حين قبلتَ بكل شيء.. فكان ذلك من أطيب الأحاسيس أريحية وألفة للنفس. في كل صباح، أول ما تفعله عند الاستيقاظ أن تحمد الله قائلاً: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور.

ودون أن تعي، ينتابك إحساس باللذة والسكينة، كقطرات المطر الخفيفة والمتساقطة، لتجد نفسك تتنفس هواءً نقياً.

بات تصالح المرء مع ذاته وتحقيق السلام الداخلي أمراً شاقاً يزداد صعوبة يوماً بعد يوم، حتى يغرق صاحبه وتحوله الضغوط إلى هاجس مؤرق لا يكاد يفارقه. تبدأ حينها في قهر نفسك بمرارة وحسرة، غارقاً في تفكير سلبي وقلق دائم وشعور بالتقصير، فتفقد تركيزك وتوازنك، وتكبح طاقاتك الداعمة، لتبدأ مرحلة من الصراع والتدمير الذاتي والضياع، وسط صدى هاجس الفشل: ماذا أفعل؟ أأصرخ؟ أأبكي؟ وكأن الحياة ضاقت بأسوارها.

يُقال إن القلب ينظف نفسه بالدموع، وأول خطوة نحو التصالح مع الذات تبدأ بالتذكر:

ارفق بضعفك، وكن طبيعياً وصريحاً دون تصنّع أو مجاملة، فأنت إنسان يستحق الحب والاحترام، ولست بحاجة إلى إثبات ذاتك أو التبرير لأحد.

لا يمكنهم كسرك، وأنت اليوم الأقوى على الإطلاق.

ينبع أعمق شعور بالأمان من القدرة على قبول الذات بضعفها وقوتها، والمواجهة بشجاعة لتخطي العقبات، رغبةً في رسم معالم المستقبل وفتح باب جديد نحو حياة أكثر هدوءاً واستقراراً. يمنح التصالح مع النفس صاحبَه قدرةً على التعامل مع ضغوط الحياة بوعي ورزانة بعيداً عن الصراعات الداخلية، فيُعزز الصحة النفسية والجسدية، ويسهم في تحسين جودة العلاقات الاجتماعية، ليكون التواصل مع الآخرين أكثر عمقاً وسلاسة.

حين تتصالح مع نفسك وظروفك، يفقد الآخرون أي سلاح ضدك.

تلك قاعدة واضحة وخطوة عمليّة للوصول إلى مستوى متقدم من السلام والرقي بالذات، بعيداً عن ارتداء أقنعة وهمية لكسب التقدير أو السعي لإرضاء الآخرين؛ وهي مهمة أساسية تفتح آفاق التعلم والنمو دون خوف من الفشل أو الإحباط، مسيرةً نحو حياة أكثر حرية وبساطة، وأشد هدوءاً ووضوحاً في التعامل مع المجرى اليومي للحياة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى