
قد يبدو المشهد بسيطًا، نشرةُ أخبارٍ تُقرأ ولقطاتٍ مصورةٍ تُرى وصوت يُسمع ومؤثرات مصاحبة تُرافق الخبر والتقرير، تلك باختصار التفاصيل التي يُركز عليها الكثيرون وهم مسترخين فوق أريكتهم الأثيرة وفي أيديهم أكواب الشاي والقهوة، ومن حولهم أصحابهم وأقاربهم. من ذلك المكان الذي هم فيه، يسود اعتقاد بأن المنتج الذي يرونه ويسمعونه ولا يعيرونه كثير اهتمام، هو من أسهل المنتجات التي تُقدم إليهم في اليوم عدة مرات، بأشكال وطرق متعددة، ويتناوب على تقديمها طاقم من المذيعين الحريصين على الظهور بأزهى حُلّة وأجمل إطلالة.. لكن المشهد في الواقع مختلف تماما، فهناك غرفة أخبار لا تتوقف الحركة فيها، والمنتج الذي عُرض لدقائق معدودة جاء بعد جهد كبير بُذل من قبل أفراد سيظلون مجهولين للعامة، كما سيبقى جهدا غير محسوس بشكل دقيق.
من هنا نبدأ الحكاية.. من مركز الأخبار بوزارة الإعلام العُمانية.
دون أدنى مبالغة، يُعد مركز الأخبار، أقرب ما يكون إلى غرفة للعمليات الصحفية المتكاملة التي لا تنام، لأن الأحداث لا تعرف مواعيد عمل رسمية، لذلك يبدأ يوم صحفيو المركز قبل أن يبدأ يوم معظم الناس، وأحيانًا يبدأ اليوم الجديد لأولئك الصحفيين مع انتهاء اليوم الذي سبقه…. وتلك قصة أخرى تستحق التأمل فيها بتركيز أكبر.
مؤسسيا يتبع مركز الأخبار وكالة الأنباء العُمانية بوزارة الإعلام، وتحت مظلة منظومة العمل الإعلامي الشاملة في سلطنة عُمان. هذا المركز قبل أن يكون على الوضع الذي عليه اليوم، مرّ بمراحل تطويرية انتهت إلى أن يكون من أحدث المراكز الإخبارية، بفضل تقنيات البث الرقمي عالية الجودة، وبمساهمة الكوادر الصحفية المتخصصة. في كل يوم، يُنتج مركز الأخبار عددًا من النشرات الإخبارية المرئية والمسموعة باللغتين العربية والإنجليزية، وليس العدد هنا هو الأهم بقدر أهمية الجودة التي تحملها كل نشرة. كل خبر من تلك الأخبار التي نراها بسهولة على الشاشة أو نسمعها بوضوح عبر الإذاعة المسموعة هو في الحقيقة نتيجة جهد أخذ ممن صنعه وقرأه وقتًا أطول مما يبدو عليه.
تبدأ سلسلة بث الخبر بقرارات تحريرية يتخذها رئيس التحرير ومحررو النشرات باختيار الأهم من الأحداث وطريقة تناولها وصياغتها وترتيبها وتقديمها. تلك القرارات تجعل من هؤلاء صناعًا للخبر، لا ناقلين له. وبحسب دراسة للباحث يعقوب الصبحي بعنوان “القائم بالاتصال في دوائر الأخبار بإذاعة وتلفزيون سلطنة عُمان”، فإن العاملين في غرف الأخبار بالمركز يعملون في إطار تنظيمي ومهني يوجه اختياراتهم، وأن مركز الأخبار، بحد ذاته، “أداة تنفيذية للسياسة الإعلامية أكثر من كونه منتجا محايدا للأخبار” كما تصف الدراسة الأكاديمية. وبحسب نظرية الأجندة فإن تركيز مركز الأخبار ينصب على القضايا الوطنية وإبراز الإنجازات الحكومية ورصد المشروعات التنموية، وفق معايير لغوية ورسمية تتماشى مع الخطاب الإعلامي العُماني.
وتظهر دراسة بحثية لمجموعة من الباحثين بعنوان “الانضباط اللغوي في المحتوى العربي للمؤسسات الحكومية بسلطنة عُمان”، التي شملت مركز الأخبار، أن الخطاب الإعلامي العُماني يخضع لمعايير دقيقة من حيث اللغة والأسلوب. وكشفت الدراسة عن وجود معايير لغوية ورسمية دقيقة تحكم ذلك الخطاب، وعن وجود توجه لضبط الرسالة الإعلامية وتحقيق الاتساق المؤسسي.
المؤكد والمهم هنا، أن اللغة بحد ذاتها ليست مجرد كلمات فحسب، وأن قوة الرسالة الإعلامية تعتمد على الطريقة التي تُقال بها الكلمة، لا على المعلومة ذاتها. فالمتتبع لمحتوى نشرات مركز الأخبار لابد أن يلحظ اللغة الرصينة البعيدة عن المبالغة والإثارة، وسيدرك أن المعلومة الموثوقة والموضوعية في الطرح ليست بحاجة لأكثر من إتزان وتوازن وصدق فيما يُقدم وما يوجه إلى المتلقي. والمنصف سيرى في لغة نشرة الأخبار أسلوبًا متزنا تعبر عن هوية الشخصية العُمانية عموما، واتزانا في الطرح مع مختلف الأحداث، وكأن كل كلمة كُتبت خضعت لفلترة قبل أن تُنطق، غير أنها في الواقع جاءت معبرة عن هوية خطاب إعلامي مساراته محددة دون أن تُكتب أو تُقال. الفلترة الوحيدة التي تمر بها صناعة الأخبار في المركز أساسها إجراءات مهنية تشمل التحقق من المصادر، وحقوق الملكية، والالتزام بالمعايير المهنية، ومراعاة الأبعاد السياسية والاجتماعية. الواقع، أن خلف الخبر البسيط السلس عمل أكثر تعقيدا مما يبدو للجمهور في الخارج.
ليست بمبالغة إن قلنا أن كل نشرة يقدمها مركز الأخبار هي بمثابة قطعة من الذاكرة الوطنية. كيف لا والمركز يؤرشف النشرات والتقارير ويحفظ تفاصيلها لتتحول إلى سجل تاريخي يوثق حياة المجتمع ومؤسسات الدولة. ولكم أن تتخيلوا الباحثين الأكاديميين بعد عقدين من الزمن أو ثلاثة وهم يطلّعون على تفاصيل المشاريع والأحداث والمؤشرات وغيرها، ويؤسسون منها رؤية وخططا وقواعد عمل مهنية.
صناعة المحتوى الإخباري بمركز الأخبار
في قلب منظومة مركز الأخبار، شبكة من المحررين والصحفيين الميدانيين والفنيين، يشكلون حلقة متكاملة من الجهد ومتكررة يوميا، يعرف المتلقي انتهاء إحداها عند حدود كل نشرة، لكنه لا يعرف متى بدأت الأخريات. هذا يجمع المعلومة، وذاك يراجع تفاصيلها، وذلك يعيد صياغتها، وذاك يرتبها، وهذا يقربها بصريا، فيما يشبه خلية نحل ممتلئة بالحركة هنا وهناك، يعرف أدوارها من عايش نبضات ذلك القلب، وتابع خفقانه لحظة بلحظة.
هذا ما أشارت إليه بشكل أو بآخر دراسة الباحثة هند الحجري بعنوان “خصائص مضمون برامج تقنية المعلومات في إذاعات سلطنة عُمان” بالقول أن المحتوى الإعلامي في مختلف المؤسسات الإعلامية العُمانية، بما فيها مركز الأخبار، تُنتج وفق أهداف تعليمية وتنموية وإطار رسمي منظم، لا وفق صور ارتجالية. هذا يعني بعبارة أخرى، أن كل مادة إعلامية لها رؤية أشمل وأوسع من مجرد نشر خبر أو بث صور ومقاطع بصرية.
في إطار هذه المنظومة الإعلامية، يقدم مركز الأخبار نفسه، كونه مرجعًا للمعلومة ومصدرًا للأخبار الموثوقة، فتجده يغذي منصات التواصل الاجتماعي لوزارة الإعلام بالمحتوى المرئي والمسموع، ويعزز بطريقته قيم المواطنة، ويبرز الإنجازات الوطنية، ويبني المعرفة العامة، وينقل المواقف الرسمية لسلطنة عُمان تجاه مختلف القضايا الإقليمية والدولية. وكما نرى هنا، فإن مركز الأخبار يفسر ويوثّق ويضع كل حدثٍ في سياقه الوطني الأشمل.
فلسفة العمل الإخباري في مركز الأخبار تعرضت لها دراسة بعنوان “المحتوى الإخباري لنشرة العاشرة بتلفزيون سلطنة عُمان” للباحثة أمل النوفلي، حين ركزت على تحليل المحتوى وفككت رسائله وفصلّت أبعاد سياساته التحريرية. تلك الدراسة، خلصت إلى أن الأخبار الرسمية حظيت بنصيب الأسد في التغطية، تليها أخبار المشاريع التنموية والاقتصادية والاجتماعية. وكشف منهج تحليل المحتوى المستخدم في الدراسة اعتماد نشرات الأخبار على وكالة الأنباء العُمانية كمصدر أول للأخبار، تليها شبكة المراسلين في المحافظات والعواصم العالمية.
كنت أحد من عايشوا تجربة العمل الإخباري خلال الأعاصير التي تعرضت لها سلطنة عُمان. هي تجربة لا تُنسى، فحين كان الناس يتابعون ما تبثه نشرات الأخبار في كل نشرة، كنا نبحث وندقق في الخبر التالي قبل بثه، ونفتح نوافذ على الميدان عبر شاشة التلفزيون. عملنا لم يتوقف على مدار الأيام التي مر فيها كل إعصار، وقبل وبعد مروره، فكل لحظة من تلك اللحظات كانت مهمة، وكل معلومة موثقة نقدمها كانت تعني أننا ندحض الشائعات ونساهم في حماية الأرواح وصون الممتلكات.
الأمر المهم في تلك اللحظات لم يكن نقص المعلومات بقدر ما كان كثرتها. تلك الكثرة تطلبت جهدا أكبر، فالشائعات تملأ الآفاق بانتشارها السريع دون تمحيص، ما أثار قلق المتلقين وأربك عمل الفرق في مختلف القطاعات. هنا كان لمركز الأخبار، وغيره من وسائل الإعلام المحلية، دور في التصدي للأخبار والمعلومات المضللة، فنشر المعلومة المعززة بالأرقام والبيانات والتصريحات المباشرة الواضحة. ذلك ما خفف من وطأة القلق، وقلّل من تدفق الأخبار غير الصحيحة.. وقد أظهرت دراسة للباحث عبيد الشقصى بعنوان “اتجاهات الجمهور نحو تعامل الإعلام العُماني مع أزمة إعصار جونو” أن الجمهور أعطى ثقته لتلفزيون سلطنة عُمان ونشراته الإخبارية، فاعتمد عليهما في فهم طبيعة الإعصار ومتابعة طبيعته وخصائصه. وأظهرت الدراسة أيضا أن التغطية الإعلامية، اتسمت بالشفافية والوضوح، وأن أداء المذيعين كان مثاليًا وفاعلًا مقارنة بوسائل الاتصال الأخرى.
قد يتساءل البعض: ما الذي يجعل الناس تلجأ لمتابعة مصدر إعلامي مثل التلفزيون ومركز الأخبار في أوقات مثل هذه؟. الإجابة تمكن في المصداقية التي يلتزم بها ذلك المصدر. فالحقيقة الواضحة التي لا تقبل الشك أن الثقة لا تأتي بين عشية وضحاها، فهي تراكمات سنوات من الالتزام المهني والموضوعية ونبل الهدف.
مركز الأخبار والتحول الرقمّي
لربما يظن البعض، قبل عدة سنوات، أن انتهاء النشرة يعني انتهاء الخبر، غير أن الواقع اليوم بات مختلفا. الخبر لا يتوقف عند حد بثه، يرتحل ما بين المنصات الرقمية والمجموعات المنتشرة في كل الهواتف. تشير مؤشرات الأداء الإعلامي، التي كشفت عنها وزارة الإعلام مؤخرا، إلى اتساع نطاق الوصول إلى المحتوى الإعلامي وارتفاع مستويات التفاعل مع المنصات الرقمية، إلى جانب تعزيز القدرات المهنية في القطاع الإعلامي. ذلك يعني، أن حضور مركز الأخبار لم يعد مقتصرا على شاشة التلفزيون – رغم أهميته – ليشمل المنصات الرقمية، ما يعني انتقال ذلك الحضور من نموذج الاتصال الأحادي إلى نموذج أكثر تفاعلية يتيح للجمهور متابعة الحدث والمشاركة في الرأي.
التزود بأرشيف مركز الأخبار متاح بكل يسر عبر البوابة الإعلامية لوزارة الإعلام للباحثين والمهتمين بذاكرة النشرات والتقارير الصادرة عن المركز. ويمكن اعتبار قناة تلفزيون سلطنة عُمان بمثابة الذاكرة البصرية الحيّة لمركز الأخبار الذي يحرص على أن لا تكون أخباره لحظة عابرة بقدر ما تكون سجلا موثقا وحافظا لمحتواه الإخباري.
الجيل الذي عمل معنا لم يكن متاحا له ما هو متاح للجيل الحالي من تقنيات رقمية متطورة. غير أن دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي ساحة العمل الإعلامي، في الحقيقة، لم يوقف المؤسسات الإعلامية بما فيها مركز الأخبار عن ممارسة دورها بطريقة أكثر سلاسة وسهولة. اليوم، كما نرى، يقدم مركز الأخبار نفسه بشكل مختلف، عبر الفضاء الرقمي المفتوح. ويحسب للمركز عدم تأخره في اللحاق بالتحولات التقنية، فتبنى التقنيات الحديثة في مختلف جوانب عمله، سواء فيما يتعلق برصد الأخبار أو تحليل البيانات، أو تقديمها. ويدرك القائمون على مركز الأخبار ووكالة الأنباء العُمانية، أن مستقبل العمل الإخباري لم يعد فقط يعتمد على سرعة الحصول على المعلومة أو نقلها، فتلك وإن كانت مهمة، إلا أنها ليست ذات فائدة إن لم تُفهم بشكل صحيح، وتُحلّل بدقة، وتُستثمر بكفاءة أكبر، وفيما بعد، تُحول إلى معرفة تفيد أفراد المجتمع.
أخيرًا يمكنني القول، بكل ثقة، أن مركز الأخبار يضع نفسه اليوم في مصاف المؤسسات الإعلامية التي تؤدي دورًا بارزًا في تشكيل الوعي المجتمعي، وحفظ وأرشفة ذاكرة الوطن، ووضع المواطنين في قلب الحدث أولا بأول، بكل احترافية ومهنية وشفافية.
**كاتب وإعلامي عُماني




