
صافحَ الحرفُ ورقتي، وربما شعر القلمُ بمشاعري تجاه هذه الأيام؛ فتسمو نفسي حول أماكن الطهر وأصوات التلبية، فأرى ضوءًا يضيء ظلمة العين بمشهدٍ عظيمٍ يهذّب النفس ويُحيي القلوب، ويصطفّ الناس صفًّا واحدًا بين يدي الله، لا تمايز بينهم إلا بالعمل الصالح والتقوى. بل إن ما يحدث أمام عيني مدرسةٌ تربويةٌ ترتقي فيها الأرواح متجهةً إلى غايةٍ واحدة، هي رضا الله ومغفرته.
وتبدأ صورةٌ أخرى تتراءى لي وتتكوّن؛ وهي رحلتنا ومسيرتنا ومحطاتنا وعلاقاتنا التي صنعت منّا هذا النضج، بمؤلمها ومحبّتها، فتغدو كل تجربةٍ درسًا.
وكم الحياة قصيرةٌ جدًّا، تمضي سريعًا، بل مهرولةً؛ لنحتضن هذا الموسم العظيم من جديد، أعاده الله علينا، ليسقط كل ما كان مهمًّا، ويبقى الأهم: وقوفنا بين يديه.
فأيامه ترفع الدعوات إلى السماء، ولهذا لا بد أن يعود الإنسان إلى نفسه، ليجد فرصًا تقف أمامه، فلا يؤجّل فيها العمل الصالح. ولهذا ينبغي أن ننتهز هذه الأيام المباركة، ونكثر فيها من التكبير والتحميد والتهليل، حتى تمتلئ أرواحنا بالذكر، ونلتقي عند الله بتعدّد العبادات.
وفي هذه الأيام المباركة يدرك الإنسان أن الطمأنينة الحقيقية لا تُشترى، بل تُولد من قربه من الله، ومن مراجعة قلبه وأفعاله، وكأن المواسم الإيمانية تعيد ترتيب أرواحنا من جديد، وتمنحنا فرصةً لنبدأ بقلوبٍ أكثر صفاءً ورحمةً.
فعسى الله أن يبلّغنا خير هذه الأيام وفضلها، وأن يجعلنا من المقبولين.
“لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك”.


