مقالات

حين تبوح الأسماء بمعانيها

علي بن عبدالله الشبلي

كأن الله حين علّم الإنسان الأسماء، لم يجعلها أصواتًا تُقال عبثًا، بل أودع في كل كلمة سرًا يليق بمعناها، وجعل لكل اسم موضعًا يخرج منه كأنه جزء من حقيقته ،

تأمل كلمة ماما وبابا، كيف تولدان من الشفتين، من أقرب مكان إلى الوجه، وكأنهما خُلقتا لتكونا أول ما ينطقه الطفل وأحب ما يردده القلب. هاتان الكلمتان ليستا مجرد حروف؛ إنهما وطن صغير، وملاذ آمن، وسندٌ إذا ضاقت الدنيا. بهما نقف أمام الحياة مطمئنين، وكأن خلفنا جبلًا لا يميل. وإذا غابت هاتان الكلمتان، شعر الإنسان أن شيئًا في داخله انكسر، وأن عينه لم تعد تقوى على مواجهة الدنيا كما كانت.

أما الأخ، فله من اسمه نصيب عجيب. يخرج من عمق الحلق، من المكان ذاته الذي نبتلع به الأشياء. وكأن الله جعل هذا الاسم في موضعه ليخبرنا أن الأخ هو من نبتلع معه مرارة الأيام، ونخفي عنده أوجاعنا، ونقتسم معه ما تعجز الكلمات عن وصفه. إن كان صالحًا، صار عزوةً وسندًا وظهرًا لا ينحني. وإن كان قاسيًا، كان الجرح أشد، لأن الطعنة من القريب تؤلم أكثر من ألف ضربة من غريب.

وفي هذا الكون البديع، لا شيء يأتي عبثًا. حتى الكلمات التي نرددها كل يوم تحمل إشارات خفية إلى معانيها. فهناك أسماء تُقال بسهولة لأنها تشبه الراحة، وأسماء تخرج من الأعماق لأنها تسكن أعماقنا، وأسماء ما إن ننطقها حتى نشعر بالأمان، كأنها دعاءٌ أكثر من كونها حروفًا ،

ما أجمل أن ندرك أن بعض الكلمات ليست مجرد ألفاظ، بل حياة كاملة تختصرها حروف قليلة. ماما حضن، وبابا أمان، والأخ سند، والأخت طمأنينة، والحب رزق، والعائلة نعمة لا يعرف قدرها إلا من فقدها.

اللهم احفظ لنا من إذا نطقنا أسماءهم هدأت قلوبنا، ومن إذا حضروا شعرنا أن الدنيا ما زالت بخير، ومن إذا ابتسموا لنا نسينا تعب الأيام، فهم أجمل أقدار العمر وأثمن عطايا الرحمن .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى