مقالات

فمن تبع هداي -1

زاهر بن سيف بن سلطان المسكري

يمثل الهدى الرباني البوصلة الحقيقية التي ترشد المجتمعات والأفراد نحو قيم الحق والخير والجمال. وحين قرن الخالق عز وجل اتباع هذا الهدى بنفي الخوف والحزن، إنما وضع القاعدة الأساسية للاستقرار البشري؛ إذ إن اتباع المنهج القويم يحرر العقل من الحيرة والنفس من الشتات. ومن هذا المنطلق، يسلط هذا المقال الضوء على أثر الاستقامة على هدي الله في بناء مجتمع آمن، مطمئن، وقادر على مواجهة التحديات بروح متزنة

ان أنواع الهداية التي ذكرها العلماء أو تُستنبط من النصوص يمكن جمعها في مراتب:

١- هداية الفطرة

وهي ما أودعه الله في الإنسان من ميل لمعرفة الحق والخير.قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾.

فالإنسان يشعر أن للكون معنى، وأن العدل أجمل من الظلم، وأن الصدق أعلى من الكذب.

٢- هداية الإلهام

وهي الإلقاء في النفس. مثل قوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ وقوله عن أم موسى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ وهنا ليس وحي نبوة، بل إلهام وتسديد.

٣- هداية الدلالة والإرشاد

وهي هداية الأنبياء والعلماء والدعاة. قال تعالى للنبي ﷺ:

﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: تدل وترشد وتبين.

٤- 🌹هداية الوحي والكتاب

أي الرسالات السماوية والكتب. فالقرآن نفسه وصف بأنه:

﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ وهنا يدخل: الوحي، الكتاب، الشريعة، الأمر والنهي.

٥- هداية التوفيق

وهذه أعظمها. قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ فقد يسمع الإنسان الحق، ويعرفه، ثم لا يوفَّق إليه. وهنا الفرق بين معرفة الطريق والسير فيه.

٦- هداية الابتلاء

وهذه يغفل عنها كثيرون.فأحيانًا يكون المرض، الفقد، الانكسار، الصدمة طريق هداية ، الزلازل، الأعاصير ، الحرائق أو الحروب.

حتى قال بعض العارفين: رب بلاء فتح باب معرفة لم تفتحه سنوات الراحة.

٧- هداية الكون والآيات ككتاب منظور بجانب القرآن والربط بينهما تطبيقياً. الجبال، النجوم، الموت، التاريخ، سقوط الأمم…قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾ فالكون نفسه كتاب مفتوح.

٨- هداية الصحبة

فالإنسان قد يهتدي برجل صالح أو كلمة أو مجلس. ولهذا كان الصحابة يقولون إنهم رأوا الإسلام مجسدًا في النبي ﷺ.

ذو النون المصري كان يشير إلى هذا المعنى حين يجعل بعض المعارف تلوح للقلوب لا للأذهان فقط. ويمكن أن نضيف — وفق نظرة سبق أن تحدثنا عنها سابقًا عن “الصراط” — نوعًا جامعًا:

هداية المقصد والغاية

أي أن يعرف الإنسان: إلى أين يسير؟ ولماذا؟ فالضلال ليس دائمًا ضلال العقيدة فقط؛ بل قد يكون ضلال الوجهة والهدف. ولهذا جاءت الفاتحة: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾كأنها دعاء بكل أنواع الهداية: هداية العلم، والقلب، والعمل، والطريق، والمآل.

ولعل عبارة ﴿فمن تبع هداي﴾ تحتمل بالفعل ما كان خلاصة المجلس:الوحي، الرسول، الكتاب، الإلهام، البيان، الفطرة، التوفيق، والآيات. وكأن المعنى: من تبع كل ما جاء من الله موصلًا إليه، فلا يضل ولا يشقى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى