مقالات

الصراط المستقيم ….دستور الإنسانية الخالد

زاهر بن سيف بن سلطان المسكري

منذ أن خلق الله الإنسان، وهو يبحث عن الطريق الذي يحفظ له إنسانيته وسط ظلمات الشهوة والخوف والطمع والصراع.

تتعاقب الحضارات، وتنهض الأمم ثم تسقط، وتتغير الرايات والحدود، لكن السؤال الأعظم بقي ثابتًا في قلب البشرية منذ فجر التاريخ: كيف يبقى الإنسان إنسانًا؟

ولم يكن أعظم جوابٍ نزل من السماء إلى الأرض أعظم من تلك الكلمة التي تتردد في قلب فاتحة الكتاب كل يوم: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾.

إنها ليست دعاءً يُتلى باللسان فحسب، بل إعلانٌ إلهيٌّ خالد بأن الإنسان لا ينجو إلا بالاستقامة، وأن الحضارات لا تبقى إلا بالقيم، وأن الأرض لا يعمرها العدل إلا إذا اجتمع الضمير المستقيم مع الفعل المستقيم.

ومن هنا يولد القانون الأعظم للحياة:

«لا استقامة بلا قيم… ولا قيم بلا استقامة.»

إن كلمة «المستقيم» التي يمكن اشتقاق ثلاث كلمات : استقم.، استقامة. قيم.

ليست مجرد وصفٍ لطريق، بل هي أعظم مدرسةٍ لبناء الإنسان. فهي استقامة العقل عن الكذب والخداع، واستقامة القلب عن الحقد والكراهية، واستقامة اليد عن الظلم والبطش، واستقامة العين عن الخيانة، واستقامة اللسان عن الزور، واستقامة السلطة عن الطغيان، واستقامة الأمم عن سفك الدماء وانتهاك الكرامات.

فالاستقامة ليست انحناءة جسدٍ في عبادة فقط، بل هي طهارةُ مسارِ حياةٍ كاملة، يعيشها الإنسان من المهد إلى اللحد، في عالم الشهادة الذي يراه بعينيه ويلامسه بحواسه، حتى يصل إلى عالم الغيب الذي ينتظره بعد عبور نفق الموت إلى يوم الحساب.

وفي هذا المسير العظيم، يقف الإنسان بين إشارتين من خلال خلاصة عمله في الحياة الدنيا كلها:

إشارةٍ مسار حياة حمراء تقوده إلى نار الظلم والجشع والعدوان حين يتجاوز حدود الله ويستحل الدم والمال والعِرض، وإشارةٍ مسار حياة خضراء تقوده إلى جنات الخلود حين يجعل الرحمة والعدل والاستقامة منهجًا لحياته.

ولهذا جاء النداء النبوي الخالد ليؤسس حرمة الإنسان فوق كل المصالح:

إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام

ما أعظمها من كلمات…لو فُهمت حقًّا، لما تحولت الأرض إلى ساحات حرب، ولا الإنسان إلى ذئبٍ يفترس أخاه الإنسان.

إن الإنسان قد يبني ناطحات السحاب، لكنه إن فقد الاستقامة سقط وهو واقف.

وقد يبلغ القمر بعلمه، لكنه إن فقد القيم عاد إلى وحشية الغاب ولو لبس ثياب المدنية.

فالله حين وصف الطريق بالمستقيم، أراد للإنسان أن يعيش متوازنًا بين الروح والمادة، وبين القوة والرحمة، وبين الحرية والمسؤولية، وبين الحق والواجب.

فالاستقامة هي الهندسة الخفية التي تحفظ توازن الإنسان من الداخل قبل أن تحفظ شكل العالم من الخارج.

إن أعظم الجرائم في الأرض ليست الفقر وحده، بل اعوجاج الإنسان حين يبرر الظلم، ويأكل المال بالباطل، ويهتك الأعراض، ثم يظن أن الحضارة يمكن أن تقوم فوق جماجم الأبرياء.

إن كل حربٍ بدأت بانهيار قيمة. وكل طاغيةٍ بدأ بخيانة الاستقامة التي وجه اليها الله. وكل أمةٍ سقطت، سقطت أولًا حين مات ضميرها ونسيت كتاب الله الإرشادي او قامت بتحريفة.

فالإنسان المستقيم لا يحتاج إلى كاميرات تراقبه؛ لأن الله حيٌّ في قلبه.ولا يحتاج إلى التصفيق؛ لأن ضميره يكفيه. ولا يخون في الظلام؛ لأنه يعلم أن الليل نفسه يشهد عليه.

إن البشرية اليوم لا ينقصها الذكاء، بل ينقصها الضمير. ولا ينقصها التقدم، بل تنقصها الرحمة. ولا ينقصها العلم، بل تنقصها الاستقامة التي تجعل العلم نورًا لا نارًا، ورحمةً لا لعنةً، وبناءً لا هدمًا.

ولهذا فإن أعظم جامعةٍ يجب أن يدخلها الإنسان هي جامعة الأخلاق، وأعظم دستورٍ يجب أن يُكتب على أبواب العالم هو:

لا استقامة بلا قيم… ولا قيم بلا استقامة

تُكتب على أبواب المدارس حتى يتعلم الطفل أن النجاح بلا أخلاق سقوطٌ مؤجل. وتُكتب على أبواب المحاكم حتى يعلم القاضي أن العدل أمانة الله في الأرض.وتُكتب على أبواب الحكومات حتى تدرك السلطة أن الإنسان أعظم من المصالح.

وتُكتب على أبواب الجيوش حتى تعرف القوة أن الدم الإنساني مقدس. وتُكتب على أبواب الأسواق حتى لا يتحول المال إلى معبودٍ جديد.

وتُكتب على أبواب الجامعات حتى لا ينفصل العلم عن الحكمة. وتُكتب على جبين كل إنسان حتى يتذكر أن الله لم يخلقه ليكون ذئبًا لأخيه الإنسان، بل رحمةً وسلامًا ونورًا في هذا العالم.

أيها الناس…إن الاستقامة ليست طريقً الى الجنة فقط…بل هي الطريق الوحيد لبقاء الأرض صالحةً للحياة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى