التعاون خُلُقٌ سامٍ وقيمة رفيعة، وسمة أساسية للنجاح والتقدم. ويعني التعاون في سياقاته التآزر والتكاتف ومدّ يد العون للآخرين لتحقيق هدف معين أو غاية مشتركة.
وللتعاون فوائد جمة ينعم بها الفرد والمجتمع؛ إذ يزيد من احتمالية تحقيق الأهداف المشتركة التي قد يتعذر على الفرد إنجازها بمفرده، فضلاً عن دوره المحوري في إيجاد حلول مبتكرة وأفكار فريدة عبر تضافر وجهات النظر والمهارات المختلفة. وبذلك يتحقق النجاح المثمر، وتتحقق الطموحات، فيرتقي الفرد والأسرة والمجتمع والوطن الكبير الذي ننتمي إليه جميعًا.
ونسترشد في هذا المقال بالآيات القرآنية الكريمة والسنة النبوية الشريفة التي تحثنا على التعاون والتآزر بين البشر.
أولًا: الشواهد القرآنية على التعاون والتلاحم
- التعاون على الخير والتقوى: قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]؛ وهي قاعدة أساسية لكل أعمال الخير والمساعدة بين البشر، ونهي صريح عن الفرقة والشر.
- التكاتف والتآلف بين المؤمنين: قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: 103]؛ وهو توجيه إلهي للوحدة ونبذ الخلاف ليشد المؤمنون بعضهم بعضًا.
- التراحم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: 71]؛ حيث تُبرز الآية صور التضامن لإصلاح المجتمع.
- التعاون العملي وبذل القوة: قال تعالى على لسان ذي القرنين: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف: 95]؛ وهو دليل على أهمية معاونة أفراد المجتمع لإنجاز المشاريع النافعة.
- التواصي بالحق والصبر: قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 3]؛ إشارة إلى أن النجاة مرتبطة بالتناصر على الثبات والخير.
ثانيًا: التوجيهات النبوية الشريفة
حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على أهمية التعاون والتكاتف، وشبه المجتمع المتعاون بالبنيان المرصوص وبالجسد الواحد:
- تشبيه المجتمع بالبنيان: قال صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» وشَبَّكَ بين أصابعه.
- التراحم والجسد الواحد: قال صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».
- لزوم الجماعة: قال صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاِثْنَيْنِ أَبْعَدُ».
- مساعدة المحتاج: قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ».
ثالثًا: مساعي التكافل والعدالة
يعبّر الأثر المأثور عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- عن أهمية العمل الجماعي لتحقيق الحق والعدالة؛ فإقامة الحق ليست مسؤولية فردية، بل أمانة تقع على عاتق الجميع وتتطلب تضافرًا مستمرًا.
ونستخلص من نهج الصحابة والتابعين حكمة مفادها أن استقامة الأمور تتأتى بتكاتف الجهود، وأن هذه المسؤولية تجمع بين الواجب الاجتماعي والأمانة الدينية والأخلاقية. فالإنسان المتكاتف قادر على إحقاق الحق ونشر التسامح والارتقاء بالحياة؛ إذ لا تزدهر المجتمعات إلا بالتعاون والتقوى والتآزر.
