هناك مشاعر تسكن أعماق الإنسان دون أن يعلن عنها وقد تكشفها نظرة عابرة، أو كلمة مقتضبة، أو موقف صغير، ومن بينها الغيرة، وهي شعور إنساني قد يمر به كثيرون، خصوصًا عندما يرى الإنسان شخصًا آخر يحقق ما كان يتمناه، غير أن الغيرة تصبح مؤذية حين يفقد الإنسان قدرته على تقبّل نجاح الآخرين، ويتحول شعوره إلى ضيق من فرحتهم أو رغبة في زوال ما لديهم، فقد تبدأ الحكاية بمقارنة بسيطة « لماذا نجح فلان وأنا ما زلت في مكاني؟ لماذا حصل على هذه الفرصة؟ وكيف استطاع الوصول إلى ما عجزت عن تحقيقه »؟
هذه الأسئلة تبدو طبيعية لكن تكرارها بصورة سلبية قد يحول المقارنة إلى سخط داخلي، ومع الوقت يبدأ الإنسان في التعامل مع نجاح الآخرين وكأنه خصم من رصيده، مع أن نجاح شخص آخر لا يغلق أبواب الحياة أمامه، وهنا تكمن خطورة الغيرة؛ إذ ينشغل الإنسان بما في أيدي الآخرين عن تطوير ما يملكه هو بدل أن يسأل « كيف أطور نفسي»؟ يبدأ في التساؤل « لماذا نجح غيري »؟ وبدل أن يتعلم من تجربة ناجحة، يبحث عن عيوب صاحبها، وقد يصل إلى التقليل من إنجازه أو التشكيك في استحقاقه.
ومع استمرار هذا الشعور، قد يتحول إلى سلوك يفسد العلاقات ويزرع التوتر بين الناس، إنه الحسد، نعم الحسد أعمق من مجرد الغيرة؛ فهو يقوم على تمني زوال النعمة عن شخص آخر، سواء كانت مالًا أو علمًا أو مكانة أو نجاحًا أو محبة بين الناس، وقد لا يظهر الحاسد مشاعره بصورة مباشرة، فقد يتجلى ذلك في انتقاد متكرر، أو شماتة عند تعثر الآخرين، أو تجاهل لإنجازاتهم، أو محاولة تشويه صورتهم أمام المحيطين بهم، وأحيانًا قد يرتدي الحسد ثوب النصيحة والحرص على المصلحة، بينما يكون الدافع الحقيقي شعورًا بالضيق من نجاح الآخر، لذلك يحتاج الإنسان إلى مراجعة صادقة لنفسه، لأن كلمة أو موقفًا قد يؤذي به غيره، في الوقت الذي يحمل فيه داخله شعورًا يستنزف راحته ويحجبه عن الرضا، فمن المهم التمييز بين الحسد والغبطة، فالحسد يقوم على تمني زوال النعمة عن الآخرين، أما الغبطة فتعني أن يرى الإنسان نعمة عند غيره، فيتمنى أن يرزقه الله مثلها مع بقاء النعمة لصاحبها.
فإذا رأيت إنسانًا ناجحًا وقلت «أتمنى أن أصل إلى ما وصل إليه، وأسأل الله أن يوفقه ويزيده»، فهذه غبطة تحمل معنى الطموح والمنافسة الشريفة، أما أن تتمنى خسارته لما حققه حتى تشعر بالارتياح، فهنا يتحول الشعور إلى حسد، وقد بينت الشريعة الإسلامية مكانة الغبطة في الخير والعمل الصالح وجاء في الحديث الشريف «لا حسد إلا في اثنتين»، والمقصود الحسد بمعنى الغبطة، أي تمني مثل النعمة مع بقاء الخير لصاحبها، ومن ذلك من آتاه الله مالًا فأنفقه في الحق، ومن آتاه الله علمًا فعمل به وعلّمه الناس، وهنا يظهر معنى المنافسة الصحية أن ترى الخير عند غيرك، فتتمنى أن يكون لك مثله، ثم تتحرك لتطور نفسك وتحقق أهدافك، فكم من صداقة ضعفت بسبب نجاح أحد الطرفين؟ وكم من زميل أصبح موضع استهداف بعد حصوله على ترقية؟ وكم من شخص أخفى فرحته أو إنجازه خوفًا من ردود أفعال المحيطين به؟ وكم من صداقة تحولت لعداوة وكراهية بعد نجاح طرف وتأخر الطرف الآخر.
عندما يصبح نجاح الإنسان سببًا لإثارة الحسد تتراجع مشاعر المحبة والتعاون، ويبدأ الناس في إخفاء إنجازاتهم بدل مشاركتها وهكذا تتشكل بيئة اجتماعية مرهقة يشعر فيها الإنسان أنه مطالب بتبرير نجاحه حتى لا يزعج أحدًا، والمجتمع الصحي يحتاج إلى ثقافة تفرح بالنجاح، وتدعم المجتهد، وتنظر إلى إنجاز الفرد باعتباره إضافة للجميع، وقد يظهر الحسد أحيانًا تجاه أقرب الناس إلينا، فالقرب يجعل المقارنة أكثر حضورًا، خصوصًا عندما يكون شخصان في العمر نفسه أو المجال ذاته أو البيئة نفسها، عندها يصبح نجاح أحدهما مرآة يرى فيها الآخر ما حققه وما ما زال يسعى إليه، لذلك يحتاج الإنسان إلى وعي يدرك من خلاله أن اختلاف النتائج لا يعني اختلاف القيمة الإنسانية، لكل شخص ظروفه وفرصه وتوقيته وطريقه.
نجاح صديقك لا يعني فشلك وتقدم زميلك لا يعني أنك تأخرت عن الحياة، فالأرزاق متنوعة، والفرص تتغير، والطرق المؤدية إلى الأهداف كثيرة، ولو سأل الشخص نفسه «كيف ينتصر الإنسان على الغيرة والحسد»؟ فالبداية تكون بالاعتراف بالمشاعر ومواجهتها بصدق، فإذا شعرت بالغيرة، توقف لحظة واسأل نفسك «ما الذي أزعجني تحديدًا؟ هل أريد هذه النعمة لنفسي، أم أتمنى زوالها عن غيري»؟ بعد هذا حاول تحويل الغيرة إلى دافع إيجابي، فإذا أعجبك نجاح شخص تعلّم من تجربته، وإذا أثار إنجازه غيرتك، اجعل الشعور حافزًا للعمل، وإذا شعرت بالضيق من تقدير الناس له، اسأل نفسك عما يمكنك تطويره في قدراتك ومسارك.
كما يساعد الامتنان على التحرر من أسر المقارنات؛ فالإنسان الذي يراقب نعم الآخرين قد يغفل عن النعم الكثيرة التي يعيشها كل يوم، وربما تكون أجمل علامات سلام النفس أن يستطيع الإنسان أن يقول بصدق «اللهم بارك له، وارزقني من فضلك»، فهي عبارة تجمع الفرح للآخر، والثقة بالله، والرغبة في الخير دون تمني زواله عن أحد، فالنجاح الحقيقي لا يحتاج إلى سقوط الآخرين حتى يرتفع صاحبه، والفرح بنجاح الناس لا ينتقص من نجاحنا، وحين نرى النعمة في يد غيرنا فنباركها، ثم نعود إلى طريقنا بثقة، نكتشف أن أبواب الخير واسعة، وأن لكل إنسان نصيبه من الحياة.

