باتت الشائعات في عصرنا من أكثر الظواهر تفاقمًا في المجتمع؛ إذ تنتشر الأخبار بين الناس بسرعة فائقة، لا سيما مع تسيد وسائل التواصل الاجتماعي. وكثيرًا ما تتداول الفئات المختلفة أخبارًا مجهولة المصدر، مباغتين بتصديقها وإعادة بثها كأنها حقائق مسلّم بها.
وتبدأ الشائعة أحيانًا بكلمة بسيطة، ثم تتعاظم كلما تنقلت بين الألسن، وتتحور تفاصيلها حتى تتجرد تمامًا من أصلها. وتكمن المشكلة في غياب التفكير بعواقب ما يُنشر، والجهل بحجم الضرر الذي يقترفه هذا السلوك بحق الآخرين.
فقد تتسبب الشائعة في تشويه سمعة بريء، أو تأجيج الخلافات بين الأقارب والأصدقاء، أو بث الخوف والقلق في أرجاء المجتمع. ومن المؤسف أن يبادر الناس إلى الحكم على الأشخاص بناءً على الأقاويل، دون التثبت من صحتها أو منحهم حق الدفاع عن أنفسهم.
وتضطلع وسائل التواصل الاجتماعي بدور محوري في تضاعف سرعة انتشار هذه الأقاويل؛ إذ أتاح التقدم التقني إيصال الرسائل والصور والمقاطع إلى الآلاف خلال ثوانٍ معدودة. ومن هذا المنطلق، تتأكد الحاجة إلى التحلي بروح المسؤولية والوعي أثناء التعامل مع هذه المنصات؛ فالتقنية أدوات، والسلوك البشري هو ما يوجه نفعها أو ضررها.
وتظل السبل الأنجع لمواجهة هذا الخطر متمثلة في التثبت والتروي. فحين يستقبل المرء خبرًا، يجدر به ألا ينجرف وراء تصديقه الفوري، بل يسعى للتحقق من مصادره الموثوقة. وفي حال انعدام الدليل، يبقى الإمساك عن النقل والامتناع عن المشاركة المسلك الأكثر حكمة ومسؤولية.
ويتوجب علينا كذلك ترسيخ ثقافة التثبت لدى الناشئة والمحيطين بنا، وغرس احترام خصوصيات الناس والابتعاد عن الخوض في أعراضهم وحياتهم الخاصة؛ فالمجتمع الواعي يظل حصينًا أمام محاولات التفرقة وزرع بذور الشك والكراهية بين أبنائه.
ختامًا، تظل الكلمة مسؤولية أخلاقية وإنسانية؛ قد ينسى القائل ما تلفظ به، إلا أن أثره النفسي قد يطول ولا يُمحى. لذا كان من أوجب الواجبات التفكير قبل الحديث، والتدقيق قبل البث، والوعي التام بأن ليس كل ما يُسمع حقيقة، ولا كل ما يُنشر يستحق إعادة التداول.


