تصفحتُ في مساءٍ خريفي بهيج كتاب “ظفار ذاكرة مكان وزمان”، ونحن نعيش أغسطس؛ الشهر الذي يُعدُّ سيمفونيةً عمانيةً خضراءَ تعزفها صلالةُ كل عام —بحسب تعبير المؤلف خالد بن سعد الشنفري— ليُعطِّرَنا الخريف بنسماته ونشوة ذكرياته التي لا تُنتَزع من ذاكرة كل من يعرفه. وجدتُني أفتحُ سِفراً شجياً، وأدخلُ بوابة الزمن مسافراً على متن صفحات الكتاب الذي ظننته للوهلة الأولى طويلاً، بيد أن أسلوبه السلس بدد ذلك الاعتقاد.
بدأتُ أشعرُ أني أقفُ أمام توثيقٍ جغرافي وتاريخي يربط بين مرحلتين: بساطة الأمس، وزخم الحاضر، وغوصٍ يبدأ من أغوار الآثار الأولى ويُصعِّد وتيرة التشويق في أدب الرواية التي أحكم المؤلف قبضته على ناصيتها القصصية، ليحكي لنا عن الإنسان والأرض والزمان والمكان.
يأخذنا الكتاب في رحلة استثنائية عبر أدب الرحلات، ويتنقل بنا بين حُداء “ناقة علي ضبعان” ساعي البريد، ومحرك سيارة “وانيت اليابان”، وهدير الطائرة العسكرية والعُصَّارة* من ورائها، وترنيمة “يا صانع اصنع لي طيارة” في قصيدة جمعان ديوان، لنقرأ المسميات القديمة التي عُجنت بحياة الناس وتفاصيل معيشتهم في التجارة والزراعة والصيد، وكيف كانت الفطرة تتكيف مع الطبيعة فتصنع من “القفير والقفة والزنبيل”* أصدقاءَ أوفياءَ للبيئة، قبل أن يعرف الناس مفاهيم الاستدامة والتلوث والاحتباس الحراري.
تتجلّى في صفحات الكتاب صورة الحياة التكافلية كلوحاتٍ إنسانية باذخة على مدار العام وفي كل المواسم، حيث تذوب الفوارق بين المدينة والبادية والشاطئ والسهل والجبل في أبهى صور الجيرة والمقايضة، رغم قسوة بعض القوانين القديمة —كحظر التجول ومنع السفر والبناء والترميم، والسجن بلا طعام— التي لم يزدَدِ الناس معها إلا تماسكاً وصبرًا.
ظلت ظفار على الدوام متصلةً بأمتها؛ فكانت فلسطين حاضرةً في قلب الكاتب وروحه من خلال مناهج التعليم الأولى وثقافة المعلم، إذ يوازن المؤلف بين المأساة والصمود بنبرة شجية في مفارقة “صحونهم الطائرة” في السينما المُدخلة عليهم حديثاً والمحملة بالدماء والنار، ومقابلتها بـ”صحوننا العابرة” في موائد القربى والتكافل والإيثار.
إن الحضور التاريخي لظفار، الذي ربما يجهله الكثيرون وما اعتراه من خفوتٍ عبر العصور، شهد له وعليه العظام في توثيقاتهم، مثل: ابن بطوطة في “تحفة النظار”، ومدونات الرحالة ابن المجاور وماركو بولو، وصولات المستشرق برترام توماس في كتابه “العربية السعيدة” (أرابيا فليكس)، وجيمس ثيودور وزوجته مايبل في كتابهما “جنوبي جزيرة العرب”، بل وحتى المؤرخ اليوناني هيرودوت. ولا شك أنه تاريخ تليد يُعانق اليوم حاضراً زاهراً، كشموخ “مجمع السلطان قابوس الشبابي للثقافة والترفيه” الذي يفخر به الكاتب ونشاركه الفخر شواهدَ على نماء الإنسان والعمران.
يأسرك هذا الكتاب كما كانت الأسوار والشباك تنبض بالذكريات الأسيرة إبان حرب جبهة تحرير ظفار، ونرقب مع الكاتب كيف تغير كل شيء في لحظة فارقة من تاريخ سلطنة عمان، وتحديداً في 23 يوليو 1970 الذي عاصره المؤلف عن قرب وبكل تفاصيله، مع تجليات جماليات اللهجة القديمة في صلالة بتفاصيلها الساحرة، ككسر الألف وقلبها ياءً و”شين” التأنيث؛ فاللغة العربية كائن حي متكيف يستحسن منه العرب ما استملحوه وينبذون المستقبح، وهو ما لمسناه من فوارق لغوية بين الماضي والحاضر.
ختاماً، وبين ألم الأعاصير كما في “الحيمر والشلي ومكونو”*، وأمل الفرح كما في “مهرجان أصدقاء البلدية، ومهرجان الخريف، وصلالة السياحي، وخريف ظفار”، ومع تعدد الأسماء والمسميات، يأخذنا هذا الكتاب لنكتشف أن المكان يتجاوز كونه حجارةً وطيناً ليغدو روحاً وذاكرة حية تنبض بالوفاء والإنسان. ولئن انتهيت بعد ليلتين من جلساتي في محكمة الكتاب، فلن أنتهي من استئناف القراءة مجدداً؛ لأن الكتب نوعان: كتاب تغلبه وكتاب يغلبك، ولا يزال هذا الكتاب يغلبني، لا سيّما أن الحديث عن ظفار (تاريخاً، وأدباً، وهُوية) يبقى غالباً وممتداً كعراقة لبانها، وندياً كقطرات خريفها، وشامخاً كأشجار نارجيلها، وأصيلاً كأصالة الإنسان العماني.
* العصَّارة: زوبعة رملية.
* القفير/ القُفَّة: أوانٍ من سعف النخيل.
* الزنبيل: إناء من الجلد أو المطاط.
* الحيمر/ الشلِّي/ مكونو: أعاصير شهيرة مرت على المنطقة.

