تتجاوز عُمان حدود الجبال والبحار والقلاع والأفلاج والنخيل؛ فثمة عُمان أخرى تسكن تفاصيل الإنسان، وتتجلى في استقبال الضيف، وأدب الجلوس، وفنجان القهوة، واحترام الكبير، والعطف على الصغير، وإكرام العالم، والتواضع في حضرة الناس.
تلك عُمان التي تتسامى عن رسم الخرائط والاختزال في الصور؛ تحفظها المجالس والسبلات، وتتناقلها الأجيال بالممارسة الحية والقدوة الحسنة.
وفي بلدة اليحمدي بولاية إبراء، يبرز “مجلس النزاري” —مجلس الشيخ صالح بن سعيد المسكري— نموذجًا حيًا للهوية العُمانية الأصيلة؛ إذ يجمع بين إكرام الضيوف وفتح نافذة مشرعة على ذاكرة المكان، مفسحًا المجال للقيم العُمانية كي تظل حاضرة في حياة الأبناء.
ويمثل المجلس امتدادًا أصيلًا لسبلة اليحمدي الكبرى، التي عُرفت منذ القدم فضاءً للاجتماع والتشاور والتواصل، وملاذًا تلتقي فيه القلوب والعقول، وتُصان فيه مكانة الكبير، ويُسمع فيه رأي الجميع في إطار الشورى والتكافل بين أهالي القرى.
ومن هذا الإرث يستمد مجلس النزاري حضوره؛ متصلًا بتقاليد السبلة، ومفتوحًا على الحاضر، وحافظًا للماضي بوصفه قيمة حية تتجدد في السلوك وتنتقل عبر الأجيال. فالمجلس العُماني مؤسسة اجتماعية راسخة تتجاوز حدود الجدران والسقوف لتصون الأخلاق والعادات والتقاليد، وتحول الاجتماع إلى تربية، والضيافة إلى مروءة، والهوية إلى ممارسة يومية.
المجلس العُماني الأصيل مدرسة مفتوحة الأبواب؛ يتلقى فيها النشء أدب استقبال الضيف، وتقديم القهوة، وإكرام الكبير، والإنصات لأهل العلم، وإفساح المكان للآخرين. وحين يشاهد الطفل أباه وأعمامه يبادرون بخدمة الضيوف، يدرك عمق المروءة في خدمة الناس، ويعي أن التواضع يعلو بقيمة الإنسان ويرفع قدره.
وهكذا تتشكل العادة، ثم تصبح خلقًا، ثم تتحول إلى هوية تنتقل من الآباء إلى الأبناء؛ فالأجيال تتلقى معالم الأخلاق من المشاهد اليومية الحية إلى جانب الكتب. فالطفل الذي يرى أباه يكرم الضيف يحفظ الكرم قبل أن يتعلم تعريفه، والذي يرى كبيره يتواضع يتعلم التواضع قبل أن يستمع إلى خطبة عنه، والذي يشاهد التفسّح في المجلس يفهم معنى الأخوة واقعًا عملاً.
وفي المجلس يتصدر الكبير موضعه، ويُجلّ صاحب العلم، وتتلاشى الفوارق التي تحدثها الألقاب والمناصب؛ إذ يجمع المجلس الحقيقي أطياف المجتمع على آداب وقيم مشتركة. وهكذا يتحول الخلق من مفهوم نظري إلى مشاهد واقعية، ومن عادة مشاهدة إلى شخصية راسخة.
ويزداد مجلس النزاري حضورًا في شهر ربيع الأول، حين اعتاد الشيخ صالح بن سعيد المسكري أن يجمع، في يوم جمعة من هذا الشهر، أهل العلم والشعر والفكر، احتفاءً بذكرى مولد المصطفى محمد رسول الله ﷺ. وهو دأبُ رجلٍ نشأ وترعرع في بيت الشيخ الجليل والمربي فضيلة القاضي جابر بن علي المسكري، إبان تنقله بين ولايات جعلان وصور وسمائل ومسقط وبدبد، بعد أن كانت نزوى مهد صقله وتنشئته الأولى.
ومن بعد صلاة الجمعة إلى صلاة العصر، يجتمع أهل الكلمة، ويقدم الشعراء قصائدهم في مدح المصطفى ﷺ، فتلتقي في المناسبة دوائر الفكر والأدب والإيمان والأخلاق. ويتعدى أثر هذا اللقاء حدود ساعات انعقاده، إذ تعود معانيه إلى البيوت وتبقى حاضرة في سلوك الناس وعلاقاتهم.
وتُدعى نخبة الفكر وأهل العلم إلى ارتداء اللباس العُماني الأصيل والتزين بالخنجر العُماني، فيجتمع العلم بالشعر، والهوية بالمعنى، والمجلس بذاكرة الوطن. ثم يلتقي الجميع في جامع الكفي ببلدة اليحمدي، فيكتمل المشهد في بيت من بيوت الله، ويغدو اللباس علامةً جليلة على هوية حية تمارسها الأجيال.
وبعد الصلاة، يتوجه الضيوف إلى مجلس النزاري، حيث يستقبلهم أبناء الشيخ صالح المسكري، يتوزعون بين الاستقبال وتنظيم الجلوس وتقديم القهوة ومتابعة أحوال الضيوف، في صورة تعكس أن خدمة الضيف مسؤولية جماعية، وأن الكرامة تُصنع بتعاون الجميع.
ثم تأتي مائدة الغداء مساحةً أخرى للاجتماع والتعارف وتفقد الأحوال، تليها القهوة العُمانية والحلوى، فتستمر الأحاديث وتتجدد صلات المودة. يتكامل المجلس بالوجوه التي تحضر إليه، والقلوب التي تجتمع فيه، والكلمات الطيبة التي تتردد بين جنباته.
إن ما يقوم به المسكري إحياءٌ أصيلا لنموذج رفيع من نماذج الحياة العُمانية، يتجاوز حدود اللقاء السنوي أو الدعوة للوليمة؛ فهو يحتفي بالشعر، ويكرم العلم، ويجمع أهل الفكر، ويستحضر محبة الرسول الأعظم ﷺ، حافظًا للزي والهوية، ومربّيًا الأبناء على مروءة الضيافة، ومجسّدًا قدوة الكبار للصغار، مع صون امتداد السبلة العُمانية بما تمثله من شورى وتكافل وتواصل.
وهنا تبرز جواهر الأخلاق العُمانية المستمدة من أصالة الإنسان ذاته؛ ففي الوقت الذي تبحث فيه بعض الأمم عن حضارتها في المباني والكتب والمتاحف، تجسد عُمان حضارتها حية في السلوك: في المجلس والسبلة، والقرية والبيت، وفي علاقة الجار بجاره، وطريقة استقبال الغريب، واحترام الكبير، ورحمة الصغير، وأمانة الماء، وأدب الطريق، والكلمة الطيبة، والقهوة التي تُقدَّم إكرامًا قبل السؤال عن الحاجة.
وتتعدى المحافظة على المجلس العُماني الأصيل والسبلة التاريخية مجرد الحنين إلى الماضي لتصبح استثمارًا حقيقيًا في المستقبل. إن صون المجلس يضمن إيجاد فضاء تربوي يستقي منه الأبناء قيم مجتمعهم، ورعاية السبلة تحافظ على جوهر الشورى والتكافل، وتعميق القدوة يضمن استمرار الأخلاق وبقاء الوطن حيًا في أبنائه.
وحريٌّ أن يُشكر الشيخ صالح بن سعيد المسكري على هذا الوفاء؛ لأن مجلسه يفتح بابًا من أبواب الذاكرة العُمانية، ويضيء امتدادًا لسبلة اليحمدي الكبرى. كما يستحق أبناؤه وأهل اليحمدي والشعراء والعلماء وأهل الفكر كل التقدير، لما يقدمونه من صورة عملية تتوارث فيها الأجيال قيم الضيافة والاحترام والتواصل.
يمثل مجلس النزاري نموذجًا حيًا لدور المجالس والسبلات في حفظ الهوية العُمانية؛ فهو يجمع بين العلم والشعر والضيافة، ويربط الماضي بالحاضر، ويحوّل القيم إلى ممارسة يراها الأبناء ويتعلمون منها. وحين تتجدد هذه المجالس في كل عام، تبقى الأخلاق حاضرة، وتظل الذاكرة متصلة، ويستمر أثر عُمان في أبنائها.
