في ذاكرة الأوطان قصصٌ ملهمة، ورموزٌ إنسانية، وقدواتٌ تترجم قيمها، وتجسد بإنجازاتها وأثرها ملامح متجددة لصورة الوطن في وجدان أبنائه ووعي العالم؛ لتبقى حكاياتها ممتدة عبر الزمن، شاهدة على وطن يتجدد حضوره ويزداد إشراقًا بما يتركه أبناؤه من أثر.
إن مفهوم صورة الوطن يمثل البناء الذهني والعاطفي الذي يتشكل من التاريخ، والحاضر، والمستقبل، مرورًا بالثقافة، والقيم، والرموز، والإنجازات، متمازجًا مع السرديات المتعددة والتفاعلات اليومية التي يظهرها الإنسان ويرويها المجتمع عن نفسه. يتعرّف الإنسان على وطنه عبر الشواهد والنماذج التي تجسد تلك المفاهيم في الواقع؛ فالكرم يغدو أكثر إقناعًا عندما نراه رأي العين في إنسان، والشجاعة تغدو أعمق أثرًا عندما تتحول إلى حكاية، والانتماء يزداد رسوخًا بالممارسة والتفاعل. ولهذا السبب تمجد المجتمعات رموزها وقدواتها وتعدها إرثها العظيم؛ لإدراكها أن هذه الشخصيات تشكل رأس مالها البشري والرمزي، وتمنح الأجيال القادمة إجابة عملية عن سؤال بسيط وعميق في آن واحد: كيف يشبه أبناء هذا الوطن وطنهم؟
تكشف قراءة التاريخ العُماني من هذه الزاوية أن عُمان ترخّص صورتها بالإنسان الذي حمل وطنه بكل قيمه وثقافته وإنجازاته إلى العالم. علم الإنسان العُماني العالم منذ القدم أن المعرفة والانفتاح والمغامرة قادرة على شق عباب البحار، وأرسى علماء عُمان قواعد علمية ما زالت المعارف الحديثة مدينة لها حتى اليوم، وجسد قادة هذه الأرض المباركة قيمة الوحدة حين أدركوا أن قوة الوطن تبدأ من اجتماع كلمته وجعل إنسانه محور التنمية والنهوض، فترسخت صورة عُمان في العالم بوصفها وطن الحكمة، والتوازن، وبناء الإنسان.
ولله درّ الكمالي حين قال:
على بحور “الفراهيديّ” ينقلُ ما
روى “ابنُ ماجدَ” فوق البحرِ من سُفنِ!
هذا العُمانيّ مسكونٌ بمن رحلوا
وأبحروا.. لم يَعُد يشتاقُ للسَّكنِ
تعلَّم البرقُ من عينيهِ شاخصةً
مَعنى المضيِّ بلا خوفٍ ولا حزَنِ
ومالت الأرضُ، حتّى مدّ أرجله
وقال: يا أرضُ إني جئتُ فاتزِني!
تتعدد مهام الشخصيات العُمانية الملهمة ومكانتها عبر العصور، وتلتقي جميعًا في الصورة الذهنية التي تركتها في الأذهان بوصفها رموزًا خالمة، والرموز في علم الاجتماع معانٍ تجريدية تتجسد في التفاعلات الاجتماعية والواقع الملموس.
ولأن التاريخ يواصل كتابة فصوله، فإن كل جيل يضيف إلى صورة وطنه بريقًا أكثر إشراقًا واتساعًا. وفي هذا السياق، تبرز نظيرة الحارثية -رحمها الله- نموذجًا للإنسان العُماني المتشبث بأرضه وثقافته، المغامر الشغوف المنفتح الذي يستند إلى المعرفة والمهارة، فلا يتوقف عند الحدود المعهودة. فحين وقفت الحارثية على أعلى نقطة في العالم، تحول ذلك المشهد إلى صورة مستقرة في الوعي الجمعي؛ لإيمانها بأن حدود الإنسان ترتسم حيث يتوقف عن الحلم.
وما زال صدى صوتها يرن في الآذان وهي تردد أبيات أمل السهلاوي:
“وحينَ يُقال تعلمتُ ماذا…
أقول تعلمتُ ألا أخاف…
وأَن السنين… بأثقالهن…
خِفاف… خِفاف…
تعلمتُ أنَ الغيومَ ستهمي…
بقدر الجفاف…
وأن ألذ الأماكن في الكون كانت…
حواف…
وإني أحبُ بلوغَ الحواف…”
هنا يتجسد معنى أن يحمل الإنسان وطنه معه إلى الآفاق والإنجازات التي لم يصل إليها أحد من قبل، مخلدًا أثر وطنه هناك عابرًا للتاريخ. فالأمم التي تدرك قيمة رموزها تتجاوز التعامل معها كقصص تُروى في المناسبات، لتجعل منها أدوات لبناء القدوات وصياغة المستقبل. وهناك تكمن القوة الحقيقية للقدوة الملهمة؛ إذ تدفع الإنسان إلى اكتشاف أفضل ما في نفسه. فالصور التي تعيش في ذاكرة الشعوب هي صور من غيّر حياة الآخرين، أو ألهمهم، أو فتح لهم طريقًا جديدًا.
إن الطفل الذي يكبر وهو يدرك جوهر الإنسان العُماني عبر تاريخه يتجاوز تحصيل المعرفة التاريخية المجردة إلى بناء تصورات عميقة عن ذاته ووطنه؛ فيتعلم بطريقة غير مباشرة أن هذه الأرض أنجبت من شق عباب البحر الغامض، ومن غيّر مسار العلم، ومن وحّد البلاد، ومن حمل رايتها إلى أعلى القمم، فيستشعر موقعه المستحق في هذه السلسلة الممتدة من العطاء.
فنحن الأثرُ الذي نتركه حيث نكون


