تتعدد المواقف الإنسانية التي تمد يد العون لشرائح واسعة من المحتاجين؛ سواء أكانت مساعدات مالية لظروف طارئة، أم لتغطية تكاليف علاج أمراض مستعصية تتطلب مبالغ طائلة للعمليات والجراحات في الخارج، أم لسد جوع المعوزين، أم للتكاتف في بناء مسكن يُؤوي أسرة، وغيرها من وجوه العون التي يمليها الواجب الإنساني. وتعد هذه المبادرات من الركائز الأساسية في حياة المسلم المستطيع القادر على البذل والعطاء.
وقد حث ديننا الحنيف على التعاون والتآزر بمختلف صوره؛ إذ يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8]، ويقول جل وعلا في سورة البقرة: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ… وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ﴾ [البقرة: 177].
كما تزخر السنة النبوية المطهرة بالأحاديث التي تدعو إلى إغاثة الملهوف ومد يد العون للنَّاس، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» (رواه مسلم).
فسبحان من غرس الرحمة والإنسانية في القلوب؛ إذ نجد أناسًا ينهضون بالأعمال الخيرية في خفاء ابتغاء الأجر والثواب من المولى عز وجل. وثمة إجماع على أن المساعدة واجب يتكفل به كل فرد حسب قدرته وإمكاناته، بينما تنشط الفرق والجمعيات الخيرية التطوعية في تقديم جهود جليلة تهدف إلى التخفيف عن كاهل المحتاجين في مختلف مجالات التعاون الإنساني.
والمتابع للعمل الخيري في سلطنة عمان يلمس تدفقه السخي من مختلف المحافظات؛ فما إن يُعلَن عن حالة إنسانية تستدعي الدعم المالي لظرف صحي أو اجتماعي، حتى يتداعى أفراد المجتمع ملبين النداء في صورة تتجلى فيها أسمى معاني التلاحم والتعاضد.
إن هذا التكاتف أسلوب حضاري يبعث على الاعتزاز، غير أن تساؤلاً جوهريًا يطرح نفسه: هل أصبحت المساعدات المالية الكبيرة محصورة في الحالات التي يُسَلَّط عليها الضوء عبر منصات التواصل الاجتماعي فقط؟ وبمعنى أدق: هل يتوجب على المحتاج إظهار صورته وكشف اسمه وتفاصيل حياته للملأ حتى تناله يد العون؟
ماذا عن الفئات المتعففة التي تأبى كرامتها عرض حاجتها للعين المجردة، وتفضل تحمّل أعباء الديون، بل وصل الأمر ببعضها إلى بيع السكن الذي يأويها؟ وهل توجد لدينا فرق متخصصة تُعنى بالبحث الميداني والتقصي عن أولئك الذين داهمتهم ظروف صحية أو اجتماعية طارئة وتعثرت بهم السبل دون أن ينادوا في الفضاء العام؟
أم أننا نكتفي بالسير على منطق المثل الدارج: «حاجة الساكت ما مقضاية»، فيُترك المحتاج حتى يصرخ وينادي لينال حقه من الدعم؟
إن التكاتف المجتمعي واقع ملموس، بيد أن الارتهان لصُنّاع المحتوى ومؤثري شبكات التواصل الاجتماعي للقيام بهذه المهمة يحتاج إلى إعادة نظر؛ فعلى الرغم من فاعلية هذه الوسائل وسرعتها الخاطفة في جمع التبرعات وتحقيق نتائج سريعة لبعض الحالات في أيام معدودة، إلا أن الاعتماد الحصري عليها يثير تساؤلات حول العدالة والاستدامة.
ولا يقلل هذا الطرح من الدور الفاعل والنيات النبيلة للقائمين على تلك الحملات؛ فلهم كل التقدير على مساهمتهم في التخفيف عن كاهل الأسر وتوفير حلول عاجلة للمشكلات المعقدة. إن مساندة الملهوفين والتخفيف من آلام الناس يُعدّان من أعظم الأعمال وأجزلها ثوابًا عند الله عز وجل.
إن فعل الخير مسؤولية جماعية تحتم علينا الالتفات إلى الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، وهم الذين يتحملون مشقة الدين كي لا يستجدوا أحدًا. ومن المؤسف أن يواجه بعض أصحاب الحاجات نظرة مجتمعية جائرة أو استهزاءً يدفعهم بالضرورة للجوء إلى المشاهير لأن أصواتهم أشد وصولاً وأعمق أثرًا.
همسة:
إن حقيقة الواجب الإنساني تقتضي منا السعي الفاعل لتقصي أحوال الأسر المتعففة وتفقد المحيطين بنا من جيران ومعارف دون الحاجة إلى نشر المقاطع والصور لنصرتهم. قد تكون منصات التواصل وسيلة سريعة، لكن التكتم وحفظ كرامة الإنسان هما الأسلوب الأرقى، استجابةً للهدى القرآني: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: 273]. وهي دعوة صريحة للتحري والبحث عن المحتاج الصامت وإعانته بكرامة.
دمتم بود.


