مَلْحَمَةُ قَيْدِ الأرضِ… حين تَكَلَّمُ البحرُ بِلِسِانِ عُمَانَ
زاهر بن سيف بن سلطان المسكري
تقول المُذَكِّراتُ البُرتغاليَّةُ في يومياتِ «كابتن دي فيرييرا» (القرن 17):
«لم نَعُدْ نُفَرِّقُ بين لحم الإنسان والبهيمة، إنما الجوعُ أعمى العيونِ، وجعل الموت صديقًا، وفي المقابل العُمانيون يُقيمون الصلاة جماعةً، ويتناوبون الحراسة والعبادة؛ حتى أطفال «ممباسا» الأفارقة يُرْسِلون إليهم الماء والغذاء سِرًّا من بين الصخور؛ كأَنَّ الأرضَ كُلَّها تُسَانِدُ المظلومَ».
مَلْحَمَةٌ شِعْريَّةٌ
يَا سَائِلِي عَنْ مَجْدِ قَوْمٍ أَبْحَرُوا
وَالدَّهْرُ يَشْهَدُ… وَالبِحَارُ تُصَفِّقُ
سَلْ عَنْ «عُمَانَ» إِذَا تَحَقَّـقُ عَزْمُهَا
إِنَّ الجِبَالَ مِنَ المَهَابَةِ طُوَّقُ
مِنْ «مَسْقَطٍ» خَرَجَتْ نِدَاءَاتُ الوَفَا
وَالعَزْفُ فِي صَدْرِ المَرَاكِبِ يَخْفِقُ
بَلْ مِنْ «صُحَارٍ» حَيْثُ تَارِيخُ العُلَا
سَيْفُ الحَضَارَةِ فِي المَفَاخِرِ يُبْرِقُ
ذِي «صُورُ» تَرْمِي بِالمَرَاكِبِ كَاللَّظَى
وَالمَوْجُ مِنْ تَحْتِ الرِّجَالِ يُمَزَّقُ
«مِرْبَاطُ» تُهْدِي الزَّادَ حُبًّا صَادِقًا
وَالجُودُ فِيهَا مِنْ نَخِيلٍ يُورِقُ
قَالَ الإِمَامُ وَعَزْمُهُ قُرْآنُهُ
«لَا يُتْرَكَ المَظْلُومُ … لَا نَتَفَــرَّقُ»
(سيف بن سلطان اليعربي)
نَادَى فَلَبَّى البَحْرُ وَالبَرُّ ٱلْـتَقَى
وَالسَّيْفُ بِالإِيمَانِ صَارَ يُصَدِّقُ
«إِنَّا حَمَلْنَا النُّورَ لَا مُتَكَبِّرًا
بَلْ كَيْ يُعَادَ الحَقُّ … لَا … لَا يُسْحَقُ»
بِـ «يَسُوعَ» قَلْعَةِ خِزْيِهِمْ دَمُهُمْ جَرَى
وَالظُّلْمُ فَوْقَ جِدَارِهَا يَتَدَفَّقُ
حَجَرٌ وَلَكِنْ بِالدِّمَاءِ مُلَوَّثٌ
وَجِدَارُهَا بِأَنِينِ قَوْمٍ يَخْنِقُ
(صرخَتْ ممباسا)
يَا أَهْلَـنَا بِـ «عُمَانَ» هُبُّوا أَنْجِدُوا
فَالظُّلْمُ بَحْرٌ، وَالسُّكُوتُ يُغَرِّقُ
فَأَجَابَهَا قَوْمٌ إِذَا نَادَى الهُدَى
هَبُّوا، وَلَا خَافُوا الرَّدَى، مَا أُرْهِقُوا
رَكِبُوا السَّفاَئنَِ، وَالإِلَهُ دَلِيلُهُمْ
وَالذِّكْرُ فِي لَيْلِ المَرَاكِبِ يُشْرِقُ
اللهُ أَكْبَرُ… صَرْخَةٌ بَحْرِيَّةٌ
تَهْوِي بِهَا الأَمْوَاجُ… ثُمَّ تُصَفِّقُ
صَلَّوْا عَلَى ظَهْرِ السَّفَائِنِ خُشَّعًـا
فَالفُلْكُ مَسْجِدُهُمْ وَبَحْرٌ أَزْرَقُ
شَدُّوا الحِصَارَ «لِعَشْرَةٍ وَلِعَشْرَةٍ»
وَ«لِعَشْرَةٍ فَثَلَاثَةٍ» قَدْ أَوْثَقُوا
قَطَعُوا المَدِيدَ عَنِ العَدِيدِ، وَشَاهِدٌ
لَهُمُ الحَدِيدُ وَصَبْرُهُمْ يَتَدَفَّقُ
جاَعَ العَدُوُّ، وَذَلَّ، حَتَّى صَارَتِ الْــ
ـأَجْسَادُ مِنْ هَوْلِ المَجَاعَةِ تُسْحَقُ
كَتَبَ الزَّمَانُ عَلَى وُجُوهِ رِجَالِهِمْ
«الكِبْرُ إِنْ يَطْغَى فَسَوْفَ يُمَزَّقُ»
أَمَّا رِجَالُ اللهِ… كَانَ ثَبَاتُهُمْ
كَالطَّوْدِ إِذْ رِيحُ الزَّعَازِعِ تَزْعَقُ
لَيْلُ العِبَادَةِ فِي الخِيَامِ يُضِيئُهَا
وَالفَجْرُ بِالأَذْكَارِ نُورًا يُطْلِقُ
حَتَّى الصِّغَارُ هُنَاكَ… مِنْ أَهْلِ الوَفَا
جَلَبُوا لَهُمْ مَاءً … وَلَمَّا يَفْرَقُوا
وَكَأَنَّ أَرْضَ اللهِ قَالَتْ كُلُّهَا
«كُونُوا مَعَ المَظْلُومِ … لَا تَتَفَرَّقُوا»
ثُمَّ ٱنْدِلَاعُ النَّصْرِ… صَيْحَةُ أُمَّةٍ
«اللهُ أَكْبَرُ» … وَالحَدِيدُ يُشَقَّقُ
هَبَّتْ جُيُوشُ الحَقِّ مِنْ شَرَفِ العُلَا
وَالبَابُ مِنْ بَأْسِ الرِّجَالِ يُفَلَّقُ
سَقَطَتْ قِلَاعُ الظُّلْمِ تَحْتَ سُيُوفِهِمْ
وَالحَقُّ فَوْقَ جَبِينِهَا يَتَأَلَّقُ
مُذْ رَفْرَفَ العَلَمُ العُمَانِيُّ الَّذِي
لَا يَنْحَنِي … لَا يَنْثَنِي … لَا يُخْرَقُ
«أَعُمَانُ» … يَا بَحْرًا تَلَاطَمَ مَوْجُهُ
صُدِّي العَوَاصِفَ عَصْفُهَا لَا يُشْفِقُ
مَا كُنْتِ يَوْمًا غَازِيًا مُتَجَبِّرًا
بَلْ كُنْتِ عَدْلًا … فِي المَرَافِئِ يُزْرِقُ
أَوْقَفْتِ بَيْعَ الحُرِّ فِي أَوْطَانِهِ
وَرَفَعْتِ شَأْنَ النَّاسِ … حِينَ يُحَقَّقُ
وَبِـ «زِنْجِبَارَ» أَضَأْتِ نُورَ حَضَارَةٍ
وَالعِلْمُ فِي آفَاقِهَا يَتَدَفَّقُ
يَا قَوْمُ … إِنَّ المَجْدَ لَيْسَ حِكَايَةً
تُرْوَى … وَلَكِنْ بِالدِّمَاءِ تُوَثَّقُ
إِنَّ الكَرَامَةَ إِنْ تُحَاصَرْ مَرَّةً
فَالصَّبْرُ ثُمَّ الصَّبْرُ حَتَّى يُمْحَقُوا
هَذَا هُوَ التَّارِيخُ … إِنْ مَا تَقْرَؤُوا
وَالحَقُّ صِنْوُ النَّصْرِ … نُصْرٌ مُطْلَقُ
سَلِّمْ عَلَى قَوْمِي إِذَا ذُكِرَ الوَفَا
كَانَتْ «عُمَانُ» … وَكَانَ مَجْدٌ أَسْبَقُ
أَبْنَاءُ بَحْرٍ لَا يَلِينُ لِهَيْبَةٍ
أَحْفَادُ إِيمَانٍ … بِهِ نَتَعَلَّقُ
فَإِذَا سَأَلْتَ عَنِ البُطُولَةِ سَائِلًا
مَنْ فِي المَلَاحِمِ شَأْوُهُمْ يَتَأَلَّقُ
أُوْلَاءِ قَوْمِي إِنْ أَرَادُوا نَهْضَةً
قَالُوا: «تَوَكَّلْنَا» … وَلَمْ يَتَفَرَّقُوا
حصارُ قلعة «يسوع» قصَّةَ ماضٍ تُرْوى، ومرآةُ حضارةٍ تُضَاءُ كُلَّما حاول التاريخُ أَنْ يُطْفِئَها، في تلك الثلاثة والثلاثين شهرًا (13 مارس 1696 و13 ديسمبر 1698) تحت راية قيد الأرض؛ صاغ العُمانيون مَلْحَمَةً بحريَّةً قَلَّ أَنْ يَشْهَدَ لها التاريخُ مثيلًا، وكانوا ــ وما زالوا ــ أبناءَ بحرٍ لا يَهَابون الموج، وأحفادَ إيمانٍ وأحفادَ إيمانٍ لا يزولُ؛ فيا لَهُ من شعبٍ مُتلاحِمٍ غَيُورٍ على بعضه البعض، يَغِيضُ الحسودَ الحقودَ.


