هناك أسفارٌ يقطعها الإنسان بالجسد، وأسفارٌ أخرى تقطعه هي من الداخل.
وكانت هذه الرحلة من مسقط إلى دار السلام، ثم إلى أعماق تنزانيا، عبورًا في طبقات الزمن، متجاوزةً حدود الانتقال الجغرافي بين المطارات والمدن؛ حتى خُيّل إليّ أنني أسير فوق أرض إفريقيا، متتبعًا آثار أجيالٍ عمانية تركت في هذه القارة شيئًا من تجارتها، وعلمها، وثقافتها، وبيوتها، ومساجدها، وأسماء رجالها، وأعظم من ذلك كله: أثر الإنسان في أخيه الإنسان.
كلما ابتعدتُ عن الساحل، تجلّى لي أن البحر الذي يفصل عُمان عن إفريقيا أدى دائمًا دور الجسر الممتد بين الضفتين، وكانت زنجبار إحدى أعظم حلقاته. ففي مرحلة تاريخية فارقة، غدت زنجبار مركزًا سياسيًا وعمرانيًا وتجاريًا محوريًا في الدولة العمانية، واتصلت عبرها عُمان بشرق إفريقيا اتصالًا بشريًا وحضاريًا عميقًا يمتد إلى ما هو أبعد من التبادل التجاري. واليوم، وأنا أتنقل في تنزانيا، كانت عُمان حاضرةً في كل محطة؛ وجدتها في الأسماء، وفي حكايات العائلات وكبار السن، وفي آثار البيوت والمساجد، وفي ذاكرةٍ حية تحتفظ بصورة العماني الذي أتى إلى إفريقيا شريكًا في صناعة الحياة وتأسيس العمران. وكانت المفاجأة الكبرى أن أثر ذلك الحضور يمتد عميقًا في الداخل ليبلغ قلب اليابسة في تابورا، حيث يفتح التاريخ صفحة جديدة من صفحاته.
تسترعي الانتباه في تنزانيا بنيةُ المدن والتقسيمات الإدارية؛ إذ يضم إقليم تابورا (Tabora) عددًا من المناطق المحلية، مثل: سِكونجي، وكاليوا، وأورامبو، وأويُوي، في نظام إداري حديث يوقظ لدى القادم من عُمان إحساسًا بالتقسيمات المحلية والولايات التي اعتادها في وطنه.
وكان الأثر الإنساني أشدّ عمقًا من الجغرافيا؛ فقد تجلّى في أولئك الذين يحفظون في ذاكرتهم سير أناسٍ سبقوا. وكان من بين رفاق الرحلة ثلاثة من الشباب العمانيين الأخيار، يحمل كل منهم قبسًا من نور الرسالة الإنسانية. ومن بينهم حفيد عالمٍ عماني رباني ترك في إفريقيا أثرًا يستحق أن يُعاد اكتشافه وصونه: الشيخ المربي حمود بن حميد البرطماني، وهو اسمٌ يستحضر في الذهن قامات العلماء المربين كالمربي الشيخ حمود بن حميد الصوافي السناوي.
استعاد ذاكرتي ما قيل عن مجلس البرطماني وما شهدتُه من آثاره؛ فقد اتسع مجلسه للناس كافة على اختلاف ألوانهم وأعراقهم وأوطانهم، فتقاطر عليه الطلاب من رواندا، وبوروندي، ومالاوي، وجنوب السودان، وأوغندا، والكونغو، وممباسا، ومناطق شرق إفريقيا والصومال. وقد أتيح لي أن أجالس رجلًا صوماليًا روى لي سيرة هذا الشيخ المربي، متأثرًا بعبراته وهو يستذكر مغادرة الشيخ إلى سلطنة عُمان عام 1972م، وكيف كانت تلك اللحظة إيذانًا بغياب مرجعٍ علمي ومجتمعي كانت تنصت له القلوب وتعتد بمشورته القيادات والمجتمعات في تنزانيا وعُمان على حد سواء.
تنوعت وجوه القادمين إلى ذلك المجلس وألسنتهم، وجمعهم مقصد واحد: طلب العلم. وفي ذلك يكمن جوهر الحضور الحضاري العماني في إفريقيا؛ إذ تجسد في القصور والسفن والأسواق، وفي المعلم الذي يجلس أمامه التلميذ، وفي المدرسة، والمسجد، والكتاب، واللغة المشتركة، والأخلاق الممارسة في واقع الحياة.
من البحر إلى البر… ومن التجارة إلى التعليم
تختزل بعض الروايات التاريخية الحضور العماني في شرق إفريقيا في أبعاد التجارة والموانئ والسياسة، وفي ذلك تبسيط لواقعٍ أكثر عمقًا؛ إذ تُصنع الفكرة الحضارية في العقول والنفوس قبل أن تحملها السفن. وقد كان العمانيون، إلى جانب المجتمعات العربية والإفريقية على الساحل الشرقي، جزءًا من حركة تاريخية نمت خلالها اللغة السواحيلية بوصفها لغة بانتوية إفريقية تفاعلت بعمق مع العربية وغيرها من اللغات، حتى غدت لغة تواصل جامعة في شرق إفريقيا. وكان للعربية أثرٌ بارز في مفرداتها وثقافتها، وشكّل الحرف العربي وعاءً لكتابتها قبل شياع الأبجدية اللاتينية.
تتجلى هنا إحدى القواعد الحضارية: أن تكون اللغة جسرًا يربط الشعوب. ولم تكن السواحيلية نتاج قوم بمفردهم، بل نمت عبر قرون من التفاعل بين مجتمعات الساحل الإفريقي وحوض المحيط الهندي. وتتكامل في هذه المسيرة إسهامات من أرسوا قواعد النحو ووزن الخطاب على أساليب الخليل بن أحمد الفراهيدي، ليتشكل بناء لغوي يتحدث به اليوم أكثر من مائتي مليون إنسان، جامعًا بين جمال اللفظ ونغم المعنى.
إن الحضارة الحقيقية تقوم على مبدأ الشراكة والإسهام المتبادل: تقديم ما لدى الذات، والأخذ من عطاء الآخر، لصناعة بناء أوسع يتسع للجميع. وهكذا كانت السواحيلية ثمرةً من ثمار التلاقي الحضاري بين إفريقيا والعالم العربي والمحيط الهندي.
تحولات التاريخ وانقطاع السلسلة
تعرضت زنجبار وشرق إفريقيا لتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة، أدت إلى مغادرة أعداد كبيرة من العمانيين، وفقدان أملاك ومصالح استقرت عبر أجيال. وفي تلك اللحظة، رافقت مغادرةَ الإنسان أبعادٌ عميقة؛ إذ غادرت معه المدرسة، والشيخ، والكتاب، والنظام الاجتماعي، والذاكرة العلمية.
وحين يغيب المعلم، يبدأ العلم بفقدان صوته تدريجيًا عبر الأجيال؛ فيبقى المسجد قليل المصلين، ويبقى المحراب مهجورًا، ويبقى الاسم مع ضعف الصلة التي صنعت معناه. وتلك سنة تاريخية شهدتها مجتمعات متعددة عند انقطاع السلاسل العلمية والتربوية.
الاسم والمعنى
من المشاهد اللافتة في هذه الرحلة بقاء الأسماء الأصيلة، مثل: زينب، وخديجة، وفاطمة، وعائشة، وعبدالله، وأحمد، ومحمد، وناصر، وعلي، إلى جانب أسماء مركبة تعكس تداخلًا ثقافيًا طويلاً. غير أن حقيقة الإيمان والعلم والعمل هي الجوهر الذي يمنح الاسم قيمته؛ فالأهم من بقاء الرسم أن يظل المعنى حاضرًا في الفهم والتطبيق وشهود الصلاة.
المسجد ودوره الحضاري
في بعض القرى، تتراءى المساجد متواضعة والمحاريب صامتة، بعد أن تراجع دورها التربوي والتعليمي، حتى اقتصر حضور المسجد في بعض الأذهان على مراسم الجنائز ونقل الموتى. وهنا يبرز السؤال الجوهري حول نقطة البدء في استعادة هذا الدور: هل تبدأ ببناء المباني، أم بنشر التعليم، أم بإرسال المعلمين، أم بإعادة ربط النشء بالقرآن الكريم ولغته؟ وتتكامل هذه المسارات جميعها لتصب في غاية كبرى واحدة: إعادة بناء الإنسان.
مبادرة أمل: مؤسسة «اقرأ» الخيرية
في هذه الرحلة، تجسد الأمل في مسعى شابين عمانيين من أبناء الداخل: هيثم الشعيلي وخليله حميد الشعيلي، المتصلين بنسب العلم والرسالة لنسل الشيخ المربي حمود بن حميد البرطماني. وقد تجلى جوهر الإجابة لديهما في العمل الميداني الناجز، من خلال تأسيس مؤسسة «اقرأ» الخيرية في ولاية سِكونجي بإقليم تابورا، بمشاركة نخبة من الأخيار.
وينطلق مشروع المؤسسة من دلالة اسمها «اقرأ»، أول كلمة في الوحي المطهر، وأساس مشروع المعرفة وإصلاح الإنسان عبر التعليم.
«عملٌ فأثر»
اتخذت المؤسسة شعارًا مكثف الدلالة: «عملٌ فأثر»؛ إذ يتجاوز المشروع حدود الأمنيات والحديث عن الماضي إلى واقع الممارسة والتنفيذ: معلمٌ يعلّم، وطفلٌ يتلقى، وأبٌ يتعلم الصلاة، وأمٌّ ترعى أبناءها على علم، وشابٌ يتلمس مبادئ العربية، حتى تستعيد القرية حيوية مسجدها ومدرستها، وتستمر سلسلة التعليم جيلاً بعد جيل.
العربية مفتاح المعرفة
تتجاوز القضية حدود تعليم لغة جديدة؛ إذ تمثل العربية في هذا المشروع المفتاح الأساسي لفهم القرآن الكريم والاتصال بمصدره. ومن هنا تبدأ رحلة الطفل من تعلم الحروف والكلمات إلى تلاوة الفاتحة وفهم معانيها، ليكون العلم وسيلة للعمل، ولتتحول الصلاة إلى مدرسة يومية يصاغ بها السلوك والسيرة.
يومٌ مشهود: السادس من أغسطس 2026م
في يوم الخميس، السادس من أغسطس عام 2026م، تم افتتاح مؤسسة «اقرأ» الخيرية في سِكونجي، في حدثٍ جسّد بداية عودة الدور التعليمي والتربوي. وحضر الافتتاح ممثلون عن الجانب الحكومي التنزاني، وجمعٌ من المسلمين والمسيحيين، والشخصيات المجتمعية، وأبناء المنطقة، ورجال الأعمال.
وكان من الشواهد المباركة تبرع رجل الأعمال من الأصول العمانية يوسف المحروقي، من أهالي سِكونجي، بأرض تبلغ مساحتها 14,000 متر مربع ومبنى قائم لتسهيل أعمال المؤسسة بعد أن كان موقعًا تجاريًا مربحًا. ويعكس هذا الموقف عمق التكافل والإسهام الحضاري الذي يتجاوز الحدود، ليؤكد قدرة المنطقة على احتضان المبادرات النافعة.
عُمان وإفريقيا: استئناف الرسالة لا استعادة الماضي
تتجلى الغاية اليوم في عودة الرسالة والمعلم والكتاب والمدرسة، واستعادة المسجد لدوره التربوي، وترسيخ الأخلاق المعرفية والشراكة القائمة على الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة. فتنزانيا اليوم دولة مؤسسات ذات سيادة، والشراكة معها تقوم على التآزر والتبادل الحضاري النافع.
وتتجسد الصورة الحقيقية التي تحملها عُمان في دلالات المعلم، والشريك، والباني.
من نزوى إلى تابورا
تستحضر الذاكرة العمانية مكانة نزوى بتاريخها العلمي ومساجدها وعلمائها، لتلتقي مع تجربة تابورا في احتضان مجالس العلم واستقبال طلاب المعرفة. وتُقاس الحضارة الحقيقية بعمق العقول التي أنارتها، وبأثر المعرفة الممتد في الأجيال.
أثرٌ يستمر
تتجسد في هذه المبادرة رؤية جيلٍ جديد يتحمل مسؤولية الرسالة، مستفيدًا من نور الماضي وعمل الحاضر وأمل المستقبل.
أما عُمان وأهلها، فالأثر الأبقى يتجلى في الاستمرار في بذل العلم وبناء الإنسان؛ وإن كان الآباء قد عبروا البحار للتجارة والعمران، فإن الأبناء يواصلون المسيرة ببناء المدارس ونشر المعرفة. وأما تنزانيا، فتحيةُ تقدير لأرضٍ حفظت الذاكرة وفتحت أبواب الشراكة والعمل المشترك.
وإلى هيثم وحميد ومن معهما: إن حمل الرسالة وإحياء أثر العلم هو العطاء الأبقى والأثر الأعظم.
لقد أثبتت التجربة أن الكلمة الطيبة والعلم النافع هما الأثر الخالد. وفي أرض سِكونجي، تقف تلك المساحة والمبنى شاهدين على تلاقٍ إنساني وحضاري نبلت مقاصده.
من مسقط إلى زنجبار، ومن زنجبار إلى تابورا وموانزا، تعود رسالة العلم لتؤدي دورها، مستمدةً نورها من التوفيق والإخلاص: ﴿وَاللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
«اقرأ»… عملٌ فأثر.


