
لستُ من أبناء هذا المكان، ولم أعش بين جدرانه أو أرافق تفاصيل أيامه، لكنّ بعض الأماكن تفرض حضورها في الذاكرة الوطنية حتى على من لم يسكنها. ومن بين تلك الأماكن؛ هذا الحصن الذي ارتبط بتاريخ عُمان الحديث، وحمل بين جدرانه صفحات من حياة السلطان الراحل قابوس بن سعيد ــ طيب الله ثراه ــ.
سمعتُ عن الحصن من الآباء والأعمام الذين عرفوا المكان أو عاصروا شيئاً من حكايته، فكان في رواياتهم بناءً أثرياً شاهداً على زمنٍ كامل، وعلى ذكريات ما زالت حية في نفوس من عرفوه.
تحيط البيوت بحصن جلالة السلطان من جهاته كافة، تسكنها أسر ارتبطت بالمكان وعاشت في ظلاله سنوات طويلة، إلى جانب جموع كثيرة من أبناء الوطن من مختلف القبائل والشرائح، وكذلك من جاليات وجنسيات أخرى قدمت خدماتها للدولة؛ حيث تمازجت ثقافاتهم وعرقياتهم، لتشكل مجتمعاً مميزاً في تعامله مع القاصي والداني. وفي تلك البيئة، تشكلت شخصيات الأبناء، فشبّوا على الانضباط، وحسن السلوك، واحترام الكبير، وتقدير المسؤولية.
إن خصوصية المكان لا تكمن في جدرانه وحدها، بل في القيم التي غرسها في نفوس ساكنيه؛ فقد انعكست هيبة القرب من المقام السامي على تفاصيل الحياة اليومية، فكان الأدب سمةً، والتهذيب نهجاً، والالتزام خلقاً يتوارثه الأبناء عن الآباء.
وحين يروي كبار السن ذكرياتهم عن تلك الأيام، لا يتحدثون عن بيوت متجاورة فحسب، بل عن مجتمع صغير جمعته المحبة والاحترام والشعور بالانتماء لمكانٍ شكّل جزءاً من ذاكرة الوطن وتاريخه.
وعندما يُقام اليوم حفلٌ كبير لاستحضار ذكرى هذا الحصن، فإن الاحتفاء يتجاوز البناء الأثري ليكون احتفاءً بتاريخٍ عاش في وجدان أهله ورواده؛ فالأماكن التي شهدت أفراح الناس ومناسباتهم تبقى حاضرة في الذاكرة مهما تبدلت السنوات. وفي كل أهزوجة من أهازيج الحفل، كان يتأكد الشعور بأن المكان أكبر من جدرانه؛ فهو ذاكرة مشتركة لأجيال تعاقبت عليه، وموطن لقصص لا تنتهي.
ويبقى الأمل أن تتواصل هذه المبادرة الجميلة في الأعوام القادمة، وأن تحظى بموافقة الجهات المعنية لإقامة الاحتفال داخل ساحة الحصن نفسها، حيث وُلدت الحكايات وتشكّلت الذكريات؛ فالمكان حين يحتضن أبناءه من جديد يمنح المناسبة روحاً مختلفة، ويجعل الماضي أقرب إلى الحاضر.
ولعل من أجمل ما يمكن أن يُهدى لهذا الحصن، أن تصبح ذكراه مناسبة سنوية يجتمع فيها أبناؤه ومحبو تاريخه، يستعيدون ما تركه من أثر في النفوس، ويُعرّفون الأجيال الجديدة بقيمته ومكانته في ذاكرة المكان والإنسان



