مقالات

الوعي بعد الخذلان

صالح بن سعيد الحمداني

تأتي في حياة الإنسان لحظات يتباطأ فيها كل شيء من حوله، فيجد نفسه وجهًا لوجه أمام حقيقة لم تكن واضحة له من قبل، لحظات يعيد فيها النظر في خطواته، ويتأمل اختياراته، فيدرك أنه مضى بعيدًا وهو يمنح ثقته لأشخاص لم يكونوا كما تخيلهم، وفي أحد الأيام وقف أمام مرآة روحه ليقدم اعتذارًا صادقًا لقلبه، اعتذارًا خرج من عمق التجربة، عن كل من ظن أنهم نور الطريق، ثم اكتشف أنهم كانوا سببًا في كثير من العتمة التي أثقلت روحه وأرهقت مشاعره.

وقف يحاور نفسه متسائلًا: كم مرة منحنا ثقتنا لمن اعتقدنا أنهم ملاذ آمن؟ وكم مرة حملنا مشاعرنا بصدق إلى أشخاص ظننا أنهم الأقرب، ثم تركوا في داخلنا آثارًا يصعب محوها؟ نحن بطبعنا نبحث عن الدفء في قسوة الأيام، وعن الضوء حين تشتد العتمة، وعن قلوب تشبهنا في صفائها، غير أن الطريق إلى الآخرين لا يكشف حقيقته منذ البداية، فبعض المسارات تخفي بين تفاصيلها خيبات لا تظهر إلا مع مرور الوقت، حين تتكلم المواقف بصوت أعلى من الكلمات.

ثم قال في داخله وهو يواصل حواره: أجد في أعماقي ابتسامة تختلط فيها مشاعر الألم مع الفهم، كنت أظن أن بعض الأشخاص جزء أساسي من حياتي، وأن حضورهم ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، ورأيت فيهم مصدرًا للطمأنينة والنور، ثم جاءت الأيام لتكشف لي صورة مختلفة فأدركت أن بعض من منحتهم مكانة كبيرة كانوا سببًا في انطفاء كثير من الأفراح التي سكنت قلبي، وما أقسى أن يكتشف الإنسان أن من اعتبرهم سندًا صاروا عبئًا ثقيلًا، وأن من انتظر منهم العزاء زادوا من مساحة الوجع، ومع مرور الوقت اتضح لي أن اللوم لا يقع على الآخرين وحدهم، فجزء منه يعود إلينا حين نمنح الثقة بلا حدود، ونفتح أبواب قلوبنا على اتساعها، ونصدق الوعود قبل أن نرى أثرها في الأفعال، كثيرًا ما نبني توقعات مرتفعة ثم نصطدم بواقع مختلف، لأننا ننظر إلى الناس بعيون مشاعرنا، بينما تكشفهم الأيام على حقيقتهم.

ثم خاطب قلبه قائلًا: سامحني يا قلبي. سامحني لأنني سمحت لك أن تتعلق بمن لم يعرف قيمتك، ولأنني فتحت لك أبوابًا تسلل منها الكثير من الخيبات، سامحني لأنني لم أحطك بالعناية التي تستحقها، وتركتك تواجه بعض التجارب وحدك رغم نقائك وصدقك، وأضاف: ومع ذلك أنا اليوم أتعلم، أتعلم أن كل خيبة تحمل في داخلها درسًا ثمينًا، وأن كل ألم يترك خلفه قدرًا أكبر من الوعي والنضج، أتعلم كيف أميز بين الصدق والتصنع، وبين النور الحقيقي والضوء الزائف الذي يخطف الأبصار لحظات ثم يتلاشى، وأدرك أن القلب الطيب نعمة عظيمة، لكنه يحتاج إلى الحكمة التي تحميه من الاستغلال، ومن أولئك الذين يقتربون بدافع المصلحة ثم يرحلون عند انتهاء حاجتهم.

ورغم كل ما مضى لا أرى الندم في صورته الكاملة، فالقلب الذي يحب ويتألم ويتعلم يظل قلبًا حيًا نابضًا، والتجارب مهما كانت قاسية تمنحنا فهمًا أعمق لأنفسنا وللآخرين، فالألم لا يمثل نهاية الطريق، إنما هو فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، وتنقية العلاقات، والتمييز بين من يستحق البقاء ومن كان مجرد عابر طريق، أعتذر لقلبي اليوم وأعده في الوقت نفسه بأن القادم سيكون أكثر وعيًا وجمالًا، لن أسمح لعتمة الآخرين أن تحجب النور الذي أحمله في داخلي، سأبحث عن الأرواح الصادقة، وعن الرفقة التي تمنح الطمأنينة، وعن الوجوه التي تأتي بمحبة صافية، وعن الكلمات التي تؤكدها المواقف.

وبعد هذا الحوار أضيف قائلًا: إن الحياة أقصر من أن نقضيها في مداواة خيبات متكررة، لهذا فإن هذا الاعتذار لا يعبر عن ضعف، إنما يمثل بداية جديدة أكثر نضجًا واتزانًا. فلا نترك الخذلان يزرع القسوة في دواخلنا، ونتعلم حسن الاختيار، ونحافظ على مساحة واسعة في قلوبنا للضوء والمحبة، ونحسن اختيار من يستحق الدخول إليها، ولعل أجمل ما نتعلمه من تجارب الحياة أن القلب لا يكون مساحة مفتوحة لكل من يمر، إنما هو بيت دافئ لا يليق به إلا من يعرف قيمته ويحفظ مكانته. وما دمنا بشرًا وقد مررنا بهذا الطريق جميعًا دون استثناء.

نخاطب قلوبنا بكل صدق قائلين: سامحني يا قلبي، وأعدك أن أكون من اليوم حارسًا أمينًا لا يفتح الأبواب إلا لمن يستحق أن يسكن هذا القلب بسلام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى