مِثل حطب العمات… تتحول الإدارة إلى قرابة، والعدالة إلى امتحانٍ لا ينتهي
زاهر بن سيف بن سلطان المسكري
تزخر الذاكرة الشعبية في سلطنة عمان بأمثالٍ لم تُدوّن في مصنفات الإدارة، غير أنها تختزل من التجارب الإنسانية ما قد تعجز عن بيانه مجلدات النظريات والدراسات. ومن أبلغ تلك الشواهد قولهم: «مِثل حطب العمات»؛ مثلٌ عماني سائر يحمل في ظاهره حكاية مستقاة من صميم القرية، وفي طياته درسٌ بليغ في الإنصاف والنزاهة، ومقاربة تكشف أخطر آفات البيئة الوظيفية حين تتسلل إليها المحاباة.
تروي الذاكرة أن أُمًّا كادحة رحلت عن الدنيا، وتركت وراءها ولدًا خلوقًا، مجدًّا، كادحًا، لبيبًا، شغوفًا بالعلم؛ رصين الطباع لا يتعجل أمرًا قبل استبانة وجهه، ولا يخطو خطوة إلا بعد استقراء نتائجها وثمارها. كان فتى عصاميًّا لا يملك من حطام الدنيا إلا كدّ يمينه، وإيمانه بأن البذل سبيله إلى العيش الكريم.
غير أن غياب أمه لم يكن فجيعة وجدانية فحسب، بل غاب برحيلها السند والصوت الذي يُفصح عن حاجته، ويُبرز فضله، ويُذكّر بما يستحقه. وفي محيط الدار، كما في بعض أروقة العمل، قامت سلطة تدبير جديدة تولتها زوجة الأب، في وقت انشغل فيه الوالد بسعيه خارج البيت.
وهنا نشأت المفارقة؛ تكليفٌ يُطلب من طرفٍ بالتعجيز، ويُقبل من الآخر بالبشر والرضا والتحفيز!
ألقت الزوجة على كاهل ربيبها (البناو) أعباء باهظة، وقيدته باشتراطات متلاحقة لجمع الحطب؛ إذ لا بد أن تكون كل عودةٍ من حطب السمر اليابس مستقيمة العود، محددة الطول والسمك، مجردة من الأشواك والشُّعب، متماثلة الأوزان، نقية مما يحطه الطير أو يدب عليه النمل، ذات شذى عطِر ونار وادعة عند إشعالها.
كان الفتى يغدو إلى السيوح كادحًا منقبًا، يحمل ما أطاق، ليفاجأ عند أوبته بأن ما بذله غير مُرْضٍ، وأنه كلما استفرغ وسعه استحدثت له قيود جديدة. وفي المقابل، كان نجلها يجد الدرب ممهدًا؛ يُقبل منه ما رُد على أخيه، وتُحمل كبواته على محمل التجربة، في حين تُعد عثرة ربيبه تقصيرًا وعجزًا. إن أصاب نجلها غدا في عينها نسيج وحده، وإن أخفق اعتُذر له، أما الآخر فإن أحسن وُصف بالواجب، وإن تعثر عُد ذلك برهانًا على نقصه؛ فجرى المثل: «مِثل حطب العمات».
إنه تعبير عن اضطراب الميزان واختلاف المعايير باختلاف الأشخاص، وحين يرتدي الظلم عباءة التنظيم.
وقد يحسب المرء أن هذه الحكاية انقضت بانقضاء زمنها، غير أنها تُستنسخ داخل المؤسسات بصور شتى؛ فكم من مجدٍ ينهض بمسؤولياته في صمت، متحملًا أعباء تفوق وصفه الوظيفي، دون أن يلقى أثرًا لتقدير! وفي المقابل، كم من موظف يحظى بالحرفة والاقتراب من صانع القرار، فتُشرع أمامه الأبواب، وتُطوع له اللوائح، وتُكال له فرص التدريب والترقي والظهور، بينما يُلزم نظيره باجتراح المعجزات لنيل أدنى حقوقه!
في البيئة التي تتوغل فيها الحظوة، ينحسر معيار الكفاءة لصالح القرب؛ فتغدو العلاقات ميزانًا للتقييم، والود الشخصي صكًّا للترقية. وحينها تفقد المؤسسة أثمن رأسمالها: الثقة والمصداقية.
إن من أفدح المزالق الإدارية أن يتوهم المسؤول أن موقعه يتيح له إدارة العمل بمشاعره الخاصة. نعم، المدير إنسان تعتريه نوازع القرب والارتياح الفكري أو التوافق السلوكي؛ بيد أن القيادة ليست مجلسًا عائليًّا، والوظيفة ليست ميراثًا يُقسم، والمؤسسة ليست ملكية خاصة. قد يميل الوجدان، لكن العدالة تقتضي ألا تميل كفة الميزان؛ وتلك هي النقطة الفارقة بين الإنسانية المتزنة وبين عسف الإدارة. والمسؤول المنصف لا يلتفت إلى المحبة الشخصية، بل يقيس العطاء بالاستحقاق والمسؤولية والنتائج.
وعندما يُهضم حق المجدّ، لا يقتصر الأثر عليه وحده، بل تخسر المؤسسة خبرته وحماسه وولاءه. والأدهى أن الإحباط عدوى تسري في بيئة العمل؛ إذ يدرك الجمع أن الكفاءة والالتزام ليسا ضامنين للتقدير، وأن التملق أسرع طريقًا لبلوغ الغايات. وعندها ينصرف التنافس من ميدان التطوير والابتكار إلى حلبة التزلف وحجب المعرفة والتربص بالآخرين، فتتحول المحاباة من عارضٍ مسلكي إلى ثقافة بيئية مفسدة.
ومن الأخطاء الشائعة أيضًا افتراض أن الموظف الهادئ يفتقر إلى الطموح، أو أن من لا يشكو راضٍ، أو أن المتعفف عن طرق الأبواب مستغنٍ عن حقه. فالصامت قد يكون أصلب القوم عودًا في الأمانة والكفاءة، غير أنه يأنف ابتذال جهده بالضجيج أو استجداء الاستحقاق. إنه يترقب إدارة حصيفة ترى الإنجاز مجردًا من المحاباة. وحري بالمسؤول أن يعي أن خيرة كفاءاته قد يكونون أبعد الناس عن دائرته الخاصة وحلقته المقربة.
وللخروج من إسقاطات «حطب العمات»، يتعين على الإدارة تبني نهج قويم يرتكز على:
* إقرار معايير معلنة للجدارة وتقييم الأداء والترقية، وتطبيقها بحياد تام.
* توثيق الإنجازات والاعتماد على مؤشرات القياس الموضوعية بعيدًا عن الانطباعات الذاتية.
* إتاحة فرص التطوير والتأهيل لعموم العاملين وفق متطلبات الاحتياج والاستحقاق المهني.
* إخضاع القرارات الإدارية للمراجعة والرقابة المؤسسية المنضبطة.
* فتح قنوات الاستماع للموظفين كافة، لا سيما من لا يملكون نفوذًا أو صوتًا مسموعًا.
* الفصل التام بين العلاقات الودية وبين مقتضيات الحقوق الوظيفية.
* مساءلة المقصر بصرامة وإن دنا، وإنصاف المحسن وإن نأى.
فالعدالة لا تعني القولبة الصماء، وإنما وزن الأمور بالقسطاس، ومنح كل ذي حق حقه؛ وإذا كان بعض الموظفين بحاجة إلى تأهيل إضافي وآخرون إلى صلاحيات أوسع، فإن هذا التباين لا يكتسب مشروعيته إلا إذا قام على أسس مهنية لا مدخل فيها للقرابة أو الهوى.
وقبل أن يطلب القائد من مرؤوسه «حطبًا مستقيمًا خاليًا من العيوب والشوك»، يجدر به أن يسأل نفسه بصدق: هل ألزمت غيره بما ألزمته به؟ وهل بسطت له من الفرص ما منحت لغيره؟ وهل حكمت على العمل أم على شخص صاحبه؟ وهل ترى من يعمل خلف الكواليس كمن يتصدر المشهد أمامك؟
إن المؤسسة التي تُنصف كوادرها لا تحتاج إلى شراء ولائهم؛ فالنزاهة تصنع الولاء، والعدل يغرس الأمان، والتقدير يُشعل العزائم. أما حين يُعامل الموظف معاملة الفتى المستبعد، ويُعد كدّه حطبًا لا يبلغ الرضا، فإن الإدارة قد تنال منه ساعات عمله، لكنها حتمًا تخسر تفانيه وانتماءه.
ولعل أبلغ ما يُستخلص من هذا المثل العماني الرصين، أن الإجحاف لا ينحصر في منع الحقوق، بل يبدأ بفرض اشتراطات لا يُطالب بها إلا طرف دون غيره. فالمؤسسة الحقة لا تسأل موظفها: «من أنت ومن تسند؟»، بل تسأله: «ماذا أنجزت وماذا تستطيع أن تقدم؟»؛ وحين يرسخ هذا المبدأ، تنطوي فصول التعجيز، ويستقيم ميزان البناء المؤسسي على الكفاءة والكرامة.
