الإنسان ينشغل في خضم الحياة اليومية كثيرًا بما ينقصه، حتى تمر أمام عينيه نِعَم كثيرة دون أن يمنحها ما تستحقه من انتباه. فالصحة التي يستيقظ عليها كل صباح، والأسرة التي يجد بينها الأمان، والعمل الذي يمنحه مصدرًا للرزق، والبيت الذي يأويه، والأصدقاء الذين يشاركونه أفراحه وأحزانه؛ كلها أمور قد تبدو عادية مع مرور الوقت، مع أنها في حقيقتها من أعظم الهبات التي يمكن أن يحظى بها الإنسان. ومن هنا تأتي العبارة: «إذا رأيتم النِعَم مستدرة فبادروا بالشكر قبل حلول الزوال»، وهي تحمل معنى عميقًا يتجاوز حدود الكلمات؛ إذ تضع الإنسان أمام حقيقة مهمة، وهي أن النعمة تحتاج إلى وعي وشكر ورعاية، وأن ما نملكه اليوم قد يتغير غدًا بفعل ظروف الحياة وتقلباتها.
الشكر في هذا السياق لا يعني ترديد كلمات محفوظة، وإنما هو حالة من الوعي تجعل الإنسان أكثر إدراكًا لما بين يديه. فعندما يعتاد المرء على نعمة معينة، قد يفقد الإحساس بقيمتها تدريجيًا ليصبح وجودها أمرًا مسلمًا به، حتى تأتي لحظة غيابها فيكتشف حجم الفراغ الذي تركته. وكثيرون لا يشعرون بقيمة الصحة إلا عندما يواجهون المرض، ولا يعرفون مقدار نعمة الاستقرار إلا عندما تضطرب حياتهم، ولا ينتبهون إلى قيمة بعض الأشخاص إلا بعد أن تفرقهم المسافات أو تحول بينهم ظروف لا يمكن التحكم بها. والحقيقة هي أن الشكر الحقيقي يبدأ من لحظة وجود النعمة قبل أن تتحول إلى ذكرى؛ فالإنسان الذي يقدر ما لديه يعيش بدرجة أكبر من الرضا والطمأنينة، ويصبح أكثر قدرة على رؤية الجوانب المضيئة في حياته، أما الذي يجعل عينه معلقة دائمًا بما عند الآخرين، فسوف يجد نفسه في سباق لا ينتهي؛ كلما وصل إلى شيء ظهرت أمامه أشياء أخرى يرغب في امتلاكها.
ولا يعني الشكر التوقف عن الطموح أو التخلي عن الرغبة في تحسين الحياة؛ فالإنسان يستطيع أن يكون طموحًا شاكرًا في الوقت ذاته، ويسعى إلى مستقبل أفضل ويعمل من أجل أهدافه، وفي الوقت نفسه يعرف قيمة ما يملكه في حاضره. هذه المعادلة تمنحه توازنًا مهمًا؛ فلا يضيع حاضره انتظارًا لمستقبل لم يصل بعد، ولا يجعل طموحه سببًا في تجاهل النِعَم التي تحيط به. وتزداد أهمية هذه الفكرة في زمن أصبحت فيه المقارنات حاضرة على مدار الساعة؛ فمواقع التواصل الاجتماعي تعرض للناس صورًا منتقاة من حياة الآخرين، فيرى الإنسان مظاهر النجاح والرفاهية والسفر والإنجاز، وقد يقارنها بأيامه العادية فيشعر أنه أقل حظًا ممن حوله، غير أن ما يظهر على الشاشة يمثل جزءًا محدودًا من حياة الآخرين، بينما يعيش الإنسان تفاصيل حياته كاملة بما فيها من ضغوط وتحديات ومواقف لا يراها أحد.
إن استحضار النعمة يحتاج إلى ممارسة يومية؛ فيمكن للإنسان أن يبدأ بأمور بسيطة؛ أن يحمد الله على صحته، وأن يقدر وجود والديه وأسرته، وأن يحافظ على علاقاته الطيبة، وأن يؤدي عمله بإخلاص، وأن يتعامل مع ما يملكه باعتباره مسؤولية تستحق الرعاية. فالشكر حين يتحول إلى سلوك يصبح أكثر تأثيرًا من الكلمات وحدها. وكما أن شكر النعمة يرتبط بحسن استخدامها؛ فمن رزقه الله مالًا فإن من شكره أن ينفق منه في الخير، ومن منحه علمًا فشكره أن ينفع به الآخرين، ومن وهبه صحة وقوة فشكره أن يستثمرهما في العمل النافع، ومن رزقه أسرة ومحبة فشكره أن يحافظ عليها ويمنح أفرادها ما يستحقونه من اهتمام ورحمة.
وتحمل العبارة كذلك رسالة تنبيه إلى طبيعة الحياة المتغيرة؛ فلا شيء يضمن للإنسان استمرار الظروف على حالها، فقد تتبدل الأحوال في وقت قصير، وقد تأتي التحولات دون مقدمات واضحة. لذلك فإن الحكمة تكمن في تقدير اللحظة التي يعيشها الإنسان، والاستمتاع بما فيها من خير، والعمل على حفظه قدر المستطاع. فالشكر إذن ليس رد فعل بعد الحصول على النعمة، وإنما هو أسلوب حياة؛ إنه يمنح الإنسان قدرة أكبر على رؤية الخير، ويخفف من وطأة الشعور بالنقص، ويجعله أكثر تصالحًا مع واقعه، وأكثر وعيًا بمسؤولياته تجاه ما أُعطي له.
ربما يحتاج كل واحد منا إلى وقفة قصيرة يسأل فيها نفسه: ما النِعَم الموجودة في حياتي الآن ولا أنتبه إليها؟ من الأشخاص الذين اعتدت وجودهم حتى نسيت فضلهم؟ وما الأشياء التي أتعامل معها باعتبارها مضمونة مع أنها قابلة للتغير؟ قد تكون الإجابة أقرب مما نتصور، وربما تكون النعمة التي نبحث عن قيمتها اليوم حاضرة بين أيدينا منذ سنوات، تنتظر فقط أن نلتفت إليها. ولذلك فإن المبادرة بالشكر قبل الزوال تعد دعوة أصيلة إلى اليقظة والامتنان، وإلى أن يعرف الإنسان قيمة ما لديه قبل أن تعلمه الأيام قيمة ما فقده. فالنعمة حين تُرى تُشكر، وحين تُشكر تُقدّر، وحين تُقدّر يسعى الإنسان إلى حفظها وحسن استخدامها. هذه واحدة من أجمل صور الحكمة التي تجعل الإنسان أكثر رضا، وأكثر إنسانية، وأشد وعيًا بجمال الحياة وتفاصيلها الصغيرة التي قد تكون في حقيقتها أعظم ما يملك.