مقالات

الاستنزاف العاطفي: حين يتعب القلب دون أن يراه أحد

بقلم: طاهرة الشامسي

ليس كل تعب يظهر على ملامحنا؛ فهناك إرهاق يسكن أعماق الروح، يتسلل إلينا بصمت، ويجعلنا نبحث عن لحظة هدوء وسط ضجيج لا ينتهي. إنه الاستنزاف العاطفي، حين نبذل من مشاعرنا أكثر مما نستطيع، ونمنح الآخرين من وقتنا واهتمامنا وطاقتنا، بينما نؤجل احتياجاتنا باستمرار، وكأن راحتنا أمر يمكن تأجيله إلى أجل غير معلوم.

يبدأ الاستنزاف أحيانًا من تفاصيل صغيرة؛ كلمة جارحة نتجاوزها، وموقف يثقل القلب نتجاهله، ومسؤولية إضافية نقبلها رغم تعبنا، وعلاقة نشعر فيها بأننا مطالبون دائمًا بالفهم والتسامح والتنازل. ومع تكرار هذه التفاصيل، نجد أنفسنا نبتسم بينما في الداخل شيء ما يطلب النجدة، ونصمت إيثاراً للراحة وسأمًا من تكرار شرح ما نشعر به.

المؤلم في الاستنزاف العاطفي أننا قد نعتاد عليه، حتى نظن أن الإرهاق جزءٌ طبيعي من الوفاء، وأن إرضاء الجميع دليل على الطيبة، وأن وضع الحدود نوع من القسوة. فنستمر في العطاء خوفًا من خيبة الآخرين، ونحمل فوق طاقتنا خشية أن يُساء فهمنا، وننسى أن الإنسان مهما كان قويًّا يحتاج إلى مساحة يستعيد فيها توازنه.

كن قويًا بما يكفي لتعرف أن سلامك الداخلي يستحق العناية، وأن طلب التوازن ليس ضعفًا، وأن الإنسان لا يفقد قيمته حين يختار أن يعيش بقدر أكبر من الوعي والاحترام لنفسه وللآخرين. فبعض المسافات تعيد ترتيب العلاقات لا إنهاءها، وبعض الحدود توضح طريقة الاقتراب دون إبعاد الناس، وبعض التغييرات تفتح مساحة لمستقبل أكثر اتزانًا دون محو الماضي.

وفي كل ذلك، تبقى الحكمة أن نعرف أن المكانة جزء من حياتنا وليست كل حياتنا، وأن قيمتنا أكبر من أي دور نؤديه، وأن أرواحنا تستحق أن تجد في حضورها مساحة من الأمان، لا أن تعيش في استنزاف مستمر.

ختامًا..

الحدود حفظ للود وليست جفاء، والمسافة تقديس للطاقة وليست كراهية، والراحة حق وليست تقصيرًا. أن تعرف حدودك يعني أن تدرك قيمة طاقتك، وأن تحسن توزيعها، وأن تمنح نفسك حق الحضور الذي يليق بك، دون أن تجعل رضا الآخرين سببًا لاستنزافك. فالمكان الذي يستحقك هو المكان الذي تستطيع أن تكون فيه إنسانًا، متحررًا من قيود العطاء المفرغ من معناه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى