مقالات

نحن لا نعرف ما يخفيه الآخرون

علياء السباعي

في الحياة، نلتقي أشخاصًا كثيرين، ونكوّن عنهم انطباعات سريعة من ملامحهم، وطريقة حديثهم، وتصرفاتهم اليومية. نرى شخصًا كثير الضحك فنظنه سعيدًا، وآخر قليل الكلام فنصفه بالغرور، وشخصًا يبدو قويًا فنعتقد أنه لا يحتاج إلى أحد.

لكن الحقيقة أن الإنسان ليس كتابًا مفتوحًا، وما يظهر منه ليس بالضرورة كل ما يحمله في داخله.

قد يمرّ شخص بجانبنا مبتسمًا، بينما يقضي ساعات طويلة في مقاومة حزن لا يعرف عنه أحد شيئًا. وقد يبدو آخر هادئًا ومتزنًا، بينما يخوض في داخله معارك لا يملك الشجاعة أو القدرة على الحديث عنها. وهناك من يواصل يومه بصورة طبيعية، يؤدي عمله، يمازح من حوله، ويجيب عن سؤال «كيف حالك؟» بكلمة بسيطة: «بخير»، بينما كلمة واحدة منه لو قيلت بصدق قد تكشف حكاية كاملة.

لهذا، ليست كل ابتسامة دليلًا على السعادة، وليس كل صمت دليلًا على اللامبالاة، وليس كل ابتعاد كراهية.

أحيانًا يحتاج الإنسان إلى أن نمنحه مساحة بدل أن نمنحه حكمًا.

المشكلة أننا نعيش في زمن أصبحت فيه الأحكام أسرع من المعرفة. يكفي أن نرى موقفًا واحدًا حتى نبني قصة كاملة عن صاحبه، ونضع له صفات ربما لا تمت إلى حقيقته بصلة. وقد نختصر سنوات من حياة إنسان في لحظة لم نعرف ظروفها، ثم نتعامل مع ذلك الحكم وكأنه حقيقة ثابتة.

كم من شخص حُكم عليه بأنه بارد، بينما كان في الحقيقة يحاول حماية نفسه؟

وكم من شخص وُصف بالضعف لأنه اختار الصمت، بينما كان الصمت بالنسبة إليه أقوى من الدخول في جدال لا يريد خوضه؟

وكم من إنسان ظنه الآخرون مغرورًا، لأنه لم يجد الكلمات المناسبة للتعبير عن نفسه؟

نحن لا نعرف ما الذي مرّ به الآخرون قبل أن نلتقيهم، ولا نعرف عدد المرات التي اضطروا فيها إلى التماسك، ولا نعرف الأشياء التي جعلتهم يتغيرون، أو الأسباب التي دفعتهم إلى أن يصبحوا بهذه الصورة.

وربما لو عرفنا حكاياتهم كاملة، لأعدنا النظر في كثير من الأحكام التي أصدرناها بسهولة.

وهذا لا يعني أن نتغاضى عن الأخطاء أو نبرر السلوك المؤذي، وإنما يعني أن نفرّق بين فهم الإنسان والحكم عليه.

فالفهم لا يعني الموافقة، والتعاطف لا يعني تبرير كل شيء، وحسن الظن لا يعني أن نغلق أعيننا عن الحقيقة.

لكنه يعني أن نتذكر أن لكل إنسان جانبًا لا يظهر لنا.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان لمن حوله هو ألا يزيد ثقلهم بثقل آخر. أن يختار كلماته بعناية، وألا يسخر من حزن لا يفهمه، وألا يقلل من ألم لم يعشه، وألا يطالب الآخرين دائمًا بأن يشرحوا أسباب تعبهم حتى يستحقوا التعاطف.

فبعض المعارك لا تُروى.

وبعض الأحزان لا تجد طريقها إلى الكلام.

وبعض الأشخاص لا يريدون أن يطلبوا المساعدة، ليس لأنهم لا يحتاجون إليها، وإنما لأنهم اعتادوا أن يبدوا بخير أمام الجميع.

لذلك، ربما نحتاج جميعًا إلى قدر أكبر من الرحمة في تعاملنا مع الآخرين.

أن نتوقف قليلًا قبل أن نحكم.

أن نسأل قبل أن نفترض.

وأن نتذكر أن الإنسان الذي أمامنا قد يحمل قصة كاملة لا نعرف منها إلا صفحة واحدة.

في النهاية، لا أحد يعرف تمامًا ما الذي يحدث خلف الأبواب المغلقة، ولا ما الذي يخفيه شخص عن العالم حين يعود إلى وحدته.

ولهذا، قد تكون الكلمة الطيبة في وقتها أثمن مما نظن، وقد يكون التماس العذر أجمل من إطلاق الحكم، وقد يكون التعامل بلطف مع شخص لا نعرف حكايته نوعًا من الإنسانية التي لا تحتاج إلى سبب.

فنحن لا نعرف ما يخفيه الآخرون، وربما كان أجمل ما نفعله أن نترك لهم مساحة ليكونوا بشرًا، لا صورًا كاملة كما نتوقع منهم أن يكونوا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى