مقالات

كُنْ أنْتَ

عائشة الفارسية

​لا حَاجَةَ بِنَا إلَى التَّكَلُّفِ؛ فَنَحْنُ بِعَفْوِيَّتِنَا أجْمَلُ وَأبْهَى. إنَّ التَّكَلُّفَ حِمْلٌ ثَقِيلٌ عَلَى الرُّوحِ؛ نَرْتَدِيهِ كَيْ نُرْضِيَ الآخَرِينَ، فَنُرْهِقُ أنْفُسَنَا وَنَخْسَرُ ذَوَاتِنَا.

​لا دَاعِيَ لِلتَّكَلُّفِ فِي أيِّ شَيْءٍ؛ لا فِي انْتِقَاءِ كَلِمَاتِنَا بِدِقَّةٍ مُفْرِطَةٍ، وَلا فِي حِسَابِ ضَحَكَاتِنَا بِالْمِيزَانِ، وَلا فِي ظُهُورِنَا أمَامَ النَّاسِ بِمَلامِحَ زَائِفَةٍ لا تُشْبِهُنَا. إنَّ الحَيَاةَ أقْصَرُ مِنْ أنْ نَقْضِيَهَا فِي مُرَاقَبَةِ أنْفُسِنَا، وَالتَّسَاؤُلِ الدَّائِمِ: هَلْ أَعْجَبْنَا الآخَرِينَ؟ وهَلْ كُنَّا مَقْبُولِينَ لَدَيْهِمْ؟ وهَلْ بَدَوْنَا كَمَا يَرْغَبُونَ؟ لِمَاذَا نُجْهِدُ أنْفُسَنَا وَنَسْجُنُهَا فِي قَفَصِ التَّوَقُّعَاتِ، بَيْنَمَا تَتَجَلَّى الحُرِّيَّةُ الحَقِيقِيَّةُ فِي أنْ نَكُونَ كَمَا خَلَقَنَا اللهُ: بُسَطَاءَ، صَادِقِينَ، وَعَفْوِيِّينَ.

​تَبْتَعِدُ العَفْوِيَّةُ كُلَّ الْبُعْدِ عَنْ ضَعْفِ الشَّخْصِيَّةِ أوْ قِلَّةِ الذَّوْقِ؛ فَهِيَ التَّعْبِيرُ الصَّادِقُ عَنِ الحَيَاةِ بَعِيداً عَنِ الأقْنِعَةِ؛ كَلِمَاتٌ وَأفْعَالٌ تَنْبُعُ مِنَ القَلْبِ لِتَصِلَ إلَى قُلُوبِ الآخَرِينَ. العَفْوِيَّةُ هِيَ أنْ نُعَبِّرَ عَنْ تَعَبِنَا دُونَ ابْتِسَامَةٍ مُصْطَنَعَةٍ، وَأنْ نَضْحَكَ مِنْ أَعْمَاقِنَا، وَنَرْوِيَ قِصَّتَنَا بِعَثَرَاتِهَا، وَنَبْكِيَ ثُمَّ نَمْسَحَ دُمُوعَنَا بِأيْدِينَا، أوْ نَعْتَرِفَ بِأخْطَائِنَا وَنَضْحَكَ مِنْ أنْفُسِنَا.

​العَفْوِيَّةُ أنْ نُحِبَّ دُونَ شُرُوطٍ، وَأنْ نَعْطِيَ دُونَ حِسَابٍ، وَأنْ نَظْهَرَ بِوَجْهِنَا الحَقِيقِيِّ بعيدًا عن المساحيق التي تُخْفِيهِ. وَحِينَمَا نَتَكَلَّفُ، نَخْسَرُ أجْمَلَ الأَوْقَاتِ لأنَّنَا نَشْتَغِلُ بِحِسَابِ نَظَرَاتِ النَّاسِ وَالصُّورَةِ الَّتِي انْطَبَعَتْ فِي أذْهَانِهِمْ؛ نَتَوَارَى خَلْفَ مَا يُرِيدُونَهُ هُمْ لا مَا نَرِيدُهُ نَحْنُ، فَنُرَتِّبُ الجُمَلَ قَبْلَ النُّطْقِ بِهَا، وَنُمَثِّلُ القُوَّةَ، وَنَبْتَسِمُ وَالقُلُوبُ مُثْقَلَةٌ بِالحُزْنِ.

​وَلِهَذَا، نَعُودُ فِي نِهَايَةِ اليَوْمِ إلَى بُيُوتِنَا مُرْهَقِينَ؛ لِأنَّنَا أَرْهَقْنَا أَرْوَاحَنَا فِي أَدَاءِ دَوْرٍ غَرِيبٍ عَنَّا، متجاوزين مشقة العمل وطول ساعات اليوم.

​لا نَحْتَاجُ إلَى التَّكَلُّفِ كَيْ نُحَبَّ؛ فَالْحُبُّ لا يُكْتَسَبُ بِالتَّصَنُّعِ، وَلا لِنُحْتَرَمَ؛ فَالاحْتِرَامُ يَنَبُعُ مِنَ المَوَاقِفِ. كَمَا يَنْبَغِي أنْ نَتَمَسَّكَ بِشَخْصِيَّاتِنَا المُسْتَقِلَّةِ وَإنْ كَانَتْ بَسِيطَةً بدلاً من استنساخ ذوات الآخرين، وَأنْ نُدْرِكَ أنَّ النَّجَاحَ الحَقِيقِيَّ هُوَ أنْ نَنَامَ بِضَمِيرٍ مُرْتَاحٍ.

​لَقَدْ أَتْعَبَ التَّصَنُّعُ وَالتَّمْثِيلُ العَالَمَ اليَوْمَ، وَأَرْهَقَتْهُ الصُّوَرُ المُنَمَّقَةُ وَالكَلِمَاتُ المُزَخْرَفَةُ؛ إذْ بَاتَ أَبْنَاؤُهُ يَبْحَثُونَ عَنِ الأرْوَاحِ الصَّادِقَةِ، وَالصَّوْتِ الَّذِي لا يَتَغَيَّرُ أمَامَ الكَامِيرَا، وَالقُلُوبِ الخَفِيفَةِ الَّتِي تَضْحَكُ مِنْ أَعْمَاقِهَا.

​نَحْنُ بِعَفْوِيَّتِنَا، بِعُيُوبِنَا، بِضَحِكِنَا وَبُكَائِنَا، بِهَدُوئِنَا وَارْتِبَاكِنَا… رَائِعُونَ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى