رقم الهاتف وهويته الرقمية: لماذا تتطلب سياسات إعادة التخصيص منظومة جديدة؟
المحامي تركي المعمري
تجاوز رقم الهاتف في عصرنا الحاضر وظيفته التقليدية القائمة على إيجاز المكالمات وتبادل الرسائل، ليرتقي إلى ركن أساسي في الهوية الرقمية للفرد؛ فهو المفتاح المباشر للحسابات البنكية، والتطبيقات الإلكترونية، ومنصات التواصل الاجتماعي، والملفات الصحية، المعاملات الحكومية، والإجراءات القضائية ومواعيد الجلسات والتنفيذ.
بناءً على ذلك، يتجاوز إجراء إعادة تخصيص رقم هاتف سبق استخدامه لشخص آخر بعد إلغائه أو سحبه حدود المعاملة الفنية أو التجارية البحتة، ليصبح مسألة ذات تماس مباشر بالخصوصية والأمن الرقمي والحقوق القانونية والمصالح المالية للأفراد.
وقد دعت حالات وملاحظات عملية متكررة إلى طرح هذا الموضوع للنقاش، بغية إعادة النظر في المدة والإجراءات التي تسبق إعادة تخصيص أرقام الهواتف الملغاة لمستخدمين جدد.
التحول الوظيفي لرقم الهاتف
تغيرت طبيعة استخدام أرقام الهواتف خلال السنوات الماضية شكلاً ومضموناً. يرتبط الرقم اليوم بالحساب البنكي، والمحفظة الإلكترونية، والبريد الإلكتروني، ومنصات التواصل الاجتماعي، وتطبيقات المحادثة، والخدمات الحكومية، والمنشآت الصحية، وشركات التأمين، والجهات التجارية، إلى جانب اعتماده في آليات التحقق الثنائي واستعادة كلمات المرور.
ترتيباً على ذلك، لا يعني انتقال الرقم إلى مستخدم جديد انقطاع صلة المستخدم السابق به في الفضاء الرقمي. قد تتوقف شريحة الاتصال الفعالة، لكن آثار الرقم تبقى ممتدة في عشرات قواعد البيانات والحسابات، وهنا يكمن جوهر المخاطرة.
أرقام المتوفين والمسجونين
من الصور التي تستدعي الوقوف عندها أرقام الأشخاص الذين فارقوا الحياة؛ إذ يظل الرقم مسجلاً في مجموعات عائلية أو مهنية عبر تطبيقات المحادثة، أو مرتبطاً بمستشفيات وبنوك وجھات حكومية. وعند إعادة تخصيصه، يجد المستخدم الجديد نفسه داحل نطاق معلومات ورسائل لا تخصه، فتصله إشعارات تتعلق بصاحب الرقم السابق أو مواعيده، وتنكشف أمامه بيانات عائلية وشخصية تمس خصوصية المتوفى وأسرته.
تظهر حالة أخرى لا تقل أهمية عند انقطاع الشخص عن استخدام رقمه بسبب دخوله المؤسسة العقابية لقضاء عقوبة سالبة للحرية. يفاجأ الفرد بعد انقضاء عقوبته بحيازة شخص آخر لرقمه الذي اعتمد عليه سنوات طويلة، بينما تظل معاملاته البنكية، وعلاقاته التجارية، ومواعيده الطبية، وحساباته الإلكترونية معلقة بذلك الرقم. تتحول خسارة الرقم هنا إلى خسائر عملية ومالية وقانونية مريرة، ما يستدعي إيجاد آلية استثناء تتعامل مع هذه الحالات بخلاف الأرقام المتروكة طواعية.
المخاطر القضائية والصحية
تزداد الحساسية عند اتصال الرقم بالإجراءات القضائية؛ فقد أصبحت الرسائل النصية والوسائل الإلكترونية جزءاً أصيلاً من منظومة الإعلان والإخطار القضائي. وفي حال تغير حائز الرقم مع بقائه مسجلاً في بيانات قضية معينة باسم صاحبه السابق، فإن وصول الإشعار إلى الحائز الجديد يؤدي إلى جهل صاحب الشأن الأصلي بالإجراء، رغم ترتب مواعيد وآثار قانونية قاطعة على ذلك الإعلان. يفرضه هذا الواقع ضرورة التحقق المستمر من هوية حائز الرقم الفعلي، حماية لحقوق الدفاع والطعن والتنفيذ.
وينسحب التخوف ذاته على القطاع الصحي، حيث تعتمد المستشفيات والمراكز الصحية على الأرقام لإرسال مواعيد المراجعات والإشعارات الطبية. وصول هذه الرسائل ذات الطبيعة الحساسة إلى مستخدم جديد يمثل خرقاً لخصوصية المريض السابق، مما يجعل معالجة هذا الخلل مسؤولية مشتركة تتطلب تنسيقاً تقنياً بين شركات الاتصالات والجهات الخدمية والطبية.
أبعاد المشكلة لدى المستخدم الجديد والوافدين
لا تقتصر الآثار السلبية على المستخدم السابق، بل تمتد إلى المستخدم الجديد الذي يشتري الرقم بطريقة نظامية، ليجد نفسه مقيداً باتصالات ورسائل لا تتوقف من دائنين، أو شركات تحصيل، أو عملاء تجاريين لصاحب الرقم السابق. منح الرقم فترة حجر مناسبة يضمن حماية الطرفين: حظر تسرب بيانات الأول، وتجنيب الثاني تبعات تاريخ رقم لا يخصه.
أما فيما يتعلق بأرقام الوافدين المغادرين لسلطنة عُمان مغادرة نهائية، فتظهر أهمية الربط الإلكتروني بين شرطة عُمان السلطانية وهيئة تنظيم الاتصالات ومشغلي الخدمة. إن استمرار تسجيل الأرقام بأسماء أشخاص غادروا البلاد يفتح الباب لسوء الاستخدام ويزيد تعقيد تحديد هوية الفاعل عند وقوع مخالفات، مع ضرورة إتاحة مهلة محددة لتصفية الالتزامات المالية والمعاملات قبل إلغاء الرقم.
خطوة “تنظيم الاتصالات” ومدى كفايتها
شكلت المشاورة العامة التي طرحتها هيئة تنظيم الاتصالات في سلطنة عُمان حول تعديل لائحة تنظيم تخصيص الأرقام خطوة إيجابية تدل على إدراك الأبعاد المستجدة لاستخدام الهاتف. تضمنت المشاورة اقتراح تمديد مهلة استعادة الأرقام العادية بعد قطع الخدمة من 90 يوماً إلى 180 يوماً، وعدم إعادة تخصيص الرقم إلا بعد التحقق من عدم ارتباطه بمعرفات منصات التواصل الاجتماعي.
غير أن السؤال الجوهري يظل قائماً: هل تكفي فترة الـ 180 يوماً (ستة أشهر) لإزالة الارتباطات الرقمية لرقم استخدمه صاحبه لسنوات طويلة؟
يتطلب الأمر دراسة تمديد فترة الحجر لتصل في حالات معينة إلى سنوات، أو اعتماد مدد متفاوتة بحسب طبيعة استخدام الرقم وتاريخه. ورغم أن أرقام الاتصالات تمثل مورداً وطنياً محدواً يحتكم لاعتبارات فنية واقتصادية، إلا أن التكلفة الفنية لإبقاء الرقم خارج التداول تقل كثيراً عن التكلفة القانونية والاجتماعية والمالية الناجمة عن إعادة استخدامه المتسرعة.
الحل الناجع يكمن في بناء منظومة متكاملة لإدارة دورة حياة رقم الهاتف؛ تتضمن مهلاً متمايزة، وإجراءات خاصة لأرقام المتوفين والموقوفين، وآليات إشعار مركزية للتحديث البنكي والحكومي، وتوزيع المسؤولية بين المشغلين والمؤسسات والأفراد لضمان أمن الخصوصية في البيئة الرقمية.