
السعادة هي إحساس داخلي يعكس الشعور بالفرح وجودة الحياة والرضا عنها. تُعتبر السعادة موضوعًا مهمًا في مجالات الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع. ويسعى الكثير من الناس للوصول إليها باعتبارها هدفًا أساسيًا في حياتهم. يختلف مفهوم السعادة من ثقافة إلى أخرى، ويشمل مجموعة متنوعة من المشاعر الإيجابية مثل الفرح والسرور والامتنان. على الرغم من أن السعادة تُعتبر تجربة شخصية، إلا أن هناك عوامل متعددة تؤثر عليها؛ بما في ذلك العلاقات الإنسانية، والاجتماعية، والعملية، والصحة، والظروف الاقتصادية. ومع تقدم الأبحاث في هذا المجال، بدأ العلماء في دراسة الطريقة التي يتم من خلالها قياس مقدار السعادة وفهم العوامل التي تساهم في تحقيقها.
السعادة في الحياة هي حالة من الرضا الذاتي والشعور بالبهجة والفرح، وهي تجربة شخصية تختلف من شخص لآخر، لكنها تتأثر بعوامل مثل العلاقات الاجتماعية القوية، والصحة الجيدة، والرضا عن العمل، وتحقيق الأهداف الشخصية. يمكن تعزيزها من خلال عيش حياة ذات معنى، والممارسة المنتظمة للامتنان، والتأقلم الإيجابي مع التحديات.
كما تؤثر السعادة بشكل كبير على:
* الشعور الداخلي بالرضا والفرح وجودة الحياة بشكل عام، وتشمل مشاعر إيجابية مثل الفرح والامتنان.
* تتضمن اختبار المشاعر الإيجابية بشكل متكرر، وتقليل المشاعر السلبية، والشعور العام بالرضا عن الحياة.
* هي نتيجة لأفعالنا وليست شيئًا جاهزًا، وتأتي من الداخل بدلاً من الخارج.
سؤال جوهري لا بد أن يؤرق كل شاب وفتاة مُقبِلَيْن على دروب النضج؛ فعليه تتوقف سعادة الإنسان، وبه تُرسم الأهداف، وعليه تدور كل صور الحياة. إنه السؤال الذي ما زال يعبث بعقول البشر، ويُلهب خيال الشعراء، ويدير دفة التاريخ، وقلَّما اهتدى الإنسان إلى جوابه، بل لطَّخ تاريخه الطويل بالمحن التي ما كانت لتنزل به لو أنه أحسن السعي في طلبه والاهتداء إليه. فما أكثر لجوءه إلى الأساطير والخرافات التي فرَّ إليها من مواجهة الحقيقة، وصَوْنه للأمانة التي حملها على عاتقه طائعًا غير مُكرَه. قال الله عز وجل: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72].
وسوف نتحدث في هذا المقال عن عدة عوامل تساهم في تحقيق السعادة في الدارين والارتياح النفسي، ومنها: إظهار منهج النبي صلى الله عليه وسلم في السعادة الحقيقية.
حيث قال الحبيب المصطفى عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم التسليم:
> (أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء، وأربع من الشقاوة: الجار السوء، والمرأة السوء، والمسكن الضيق، والمركب السوء.)
الرسول صلى الله عليه وسلم هو القدوة لنا في كل شيء، فكيف كان مسكنه، وهل يسعى المسلم للحصول على مكونات السعادة الواردة بالحديث؟
مفهوم السعادة في اللغة
مصدر كلمة السعادة هو (سَعَدَ). والسين والعين والدال أصل يدلُّ على خير وسرور، خلاف النحس؛ فالسَّعْد اليُمْن في الأمر. والسَّعْدان نبات من أفضل المرعى، يقولون في أمثالهم: «مرعى ولا كالسعدان». هذا هو الأصل، ثم قالوا لساعد الإنسان ساعد؛ لأنه يتقوَّى به على أموره؛ ولهذا يقال: ساعَدَهُ على أمره، إذا عاوَنَهُ، كأنه ضمَّ ساعده إلى ساعده، وقال بعضهم: المساعدة المعاونة في كل شيء. وعلى هذا؛ فإنّ أصل استخدام كلمة (سعد) في اللغة يدور على معنيين: الأول: الدلالة على الخير والسرور، والثاني: الدلالة على المعاونة والتكاتف والتآلف بين الناس.
استعمال الكلمة في اللغة
تأتي كلمة سَعْد في اللغة بأكثر من معنى، ومن أهم المعاني التي وقفنا عليها في كتب المعاجم والمراجع واللغة العربية أثناء كتابتنا لهذا المقال المتواضع:
* اليُمْن: السَّعْد هو اليُمْن، وهو نقيض النَّحْس، والسُّعودة: خلاف النُّحُوسَةِ، والسَّعَادَةِ: خلاف الشَّقَاوَةِ.
* البركة: من معاني السعد البركة؛ فقولنا سَعَدَ اليَوْمُ: أي كان مُبارِكًا.
* المعاونة: الإِسْعاد: الْمَعُونَةُ، والمُساعَدة: المُعاونة. واسْتَسْعَدَ الرجلُ بِرُؤْيَةِ فُلَانٍ أي عَدَّهُ سَعْدًا. وسَعْدَيْكَ من قوله لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، أي إِسعادًا لك بعد إِسعاد. قال الأزهري: رُوي عن النبي أنه كان يقول في افتتاح الصلاة: «لبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ في يَدَيْكَ، والشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ». قال -الأزهري-: عن ابن السكيت في قوله: «لبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ»، تأويله إلبابًا بعد إلباب، أي لُزُومًا لطاعتك بعد لُزُوم، وإسعادًا لأمرك بعد إسعاد. وقال الأزهري: وأخبرني المنذري عن أحمد بن يحيى أنه قال: سَعْدَيْكَ أي مساعدة لك، ثم مساعدة وإسعادًا لأمرك بعد إسعاد، وأصل الإسعاد والمساعدة مُتابعة العَبْد أمر ربِّه.
* الرضا والفرح والراحة: سَعِدَ الشَّخصُ أي أحسَّ بالرِّضا والفرح والارتياح.
* السلامة: سَعِدَ الرجل من باب سَلِمَ فهو سَعيدٌ.
* التوفيق: إذا قيل: أَسْعَدَ الله العبدَ وسَعَدَهُ؛ فمعناه وفَّقه الله لما يرضيه عنه، فيَسْعدُ بذلك.
وتتمثل السعادة في بناء:
* العلاقات الاجتماعية: بناء علاقات قوية وصحية مع العائلة والأصدقاء يوفر الدعم العاطفي والشعور بالانتماء.
* الصحة: الاهتمام بالصحة الجسدية والعقلية، بما في ذلك التغذية وممارسة الرياضة، يساهم في زيادة السعادة.
* المعنى والهدف: عيش حياة ذات معنى من خلال الاستمتاع بها والعمل أو تقديم خدمة للآخرين.
* الامتنان: تقدير الأشياء الجيدة في حياتك بانتظام يعزز المشاعر الإيجابية ويقلل التوتر.
* النمو الشخصي: تحقيق الأهداف العملية، وسلامة العقل، والرضا عن النفس.
* المواجهة الإيجابية: تطوير مهارات التكيف والموارد العاطفية الأقوى لمواجهة التوتر والنكسات بشكل أفضل.
كيفية تحقيق السعادة بين الناس
* تغيير طريقة التفكير: الابتعاد عن التفكير السلبي والنظر إلى الأمور بإيجابية.
* تحديد الأولويات: تأكد من أن الخطوات التي تتخذها تُقربك من أهدافك الحقيقية.
* الاستمتاع بالأشياء البسيطة: امنح نفسك القدرة على الاستمتاع بالأشياء الأقل كلفة أو تعقيداً.
* ممارسة التفاؤل: حافظ على نظرة إيجابية للحياة، حتى في مواجهة الصعوبات.
* الاعتماد على الذات: السعادة تنبع من داخلك، وتتحكم بها أنت.
فجوهر الإنسان إذن لا يمكن فهمه إلا بتصور هاتين الحقيقتين معاً، وبهذا التصور يستقيم التوازن القائم على الإيمان بأن كل ما يحققه الإنسان من مجد وعز ومال وعلم وغير ذلك؛ فإنه ليس إلا من فيض الله تعالى عليه. أما الإنسان بذاته فليس إلا كتلة من اللحم والعظم تسمو بها نفسه التي يجب عليه تهذيبها وترويضها بالعلم النافع والعمل الصالح، وأنه على الرغم من ضعفه وتفاهته إلا أن الله تعالى قد أكرمه بصفات تؤهله لحمل الأمانة التي لم تقدر عليها الكائنات الأخرى من حوله ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]. وإذا أخل الإنسان في إيمانه بشرط التوازن بين الحقيقتين، فإما أن ينصرف ذهنه إلى حقيقته الأولى؛ فلا يرى من نفسه إلا جسداً قذراً شهوانياً يميل إليه.
وإذا عاد مرة أخرى إلى القرآن الكريم ليستشف منه تعريف الحياة فسيجد نفسه أمام منهج تربوي كامل يقوم على محورين:
الأول: أن الحياة ليست إلا جسراً تمر عليه الكائنات في طريقها نحو الآخرة، وأن هذه الدنيا في قصرها وسرعة زوالها لا تساوي شيئًا يُذكر في جنب الخلود الذي سيعقبها، ثم إن الآخرة على امتدادها اللانهائي متوقفة على ما يكون عليه حال الإنسان في هذه الحياة الأولى. فهو إذن في مرحلة امتحان دائم، وكل ما يراه من حوله من مباهج وملاذّ ومتع أو من مآس وجراح وكوارث، فإن هذا كله ليس إلا أياماً قليلة سرعان ما تنقضي وتمضي، وستوضع بكل ما تحتويه في كفة الميزان لتحدد مصيره الأبدي. قال الله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
أما المحور الثاني فهو مُكمِّل لهذا الأول، إذ يعمل على إعادة التوازن لهذه الرؤية، فلا تهون الحياة في نظر الإنسان، ولا ينصرف عن إعمار الأرض بالعلم والعمل إلى التقشف وانتظار الموت. قال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]، وقال سبحانه وتعالى في سورة القصص: ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾. وقال الله تعالى في سورة النحل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. وقال الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام في خطبة الوداع: «فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم»، وأعلن أن زوال الدنيا أهون عند الله من قتل امرئ مسلم.
وبهذه الرؤية المتكاملة تغدو الحياة في نظر المسلم كنزًا ثمينًا يتوجب عليه استثماره. فهي في جوهرها لا تستحق من الاهتمام أكثر من كونها جسراً للسعادة الأبدية، ثم إنه في الوقت نفسه مأمور بعدم التفريط فيها لقدسيتها وقيمتها العظيمة عند الله تعالى ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]. أما المباهج وألوان المتع التي تُصادِفه فيها فليست إلا زخارف تتزين بها لإغواء ضعاف النفوس، ولكنها لا تُكرَه أيضاً لذاتها إذا ما أُحسن استخدامها. قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
وتحقيق رفاهيته. قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: 20]. وقال الحق سبحانه وتعالى في سورة النحل: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. وذكر الحق سبحانه وتعالى نِعَمه وفضله في خلق الأرض وبسطها للعباد في سورة الملك: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾.
نجد تسخير الحق سبحانه وتعالى لهذا الكون وتمكينه لخدمة البشرية، وفي هذا إشارة لطيفة إلى ضرورة استئناسه بهذا الكون، واستبطانٌ للنهي عن الجزع مما قد يلاقيه فيه من كوارث ونوازل قد تحل به؛ فالطبيعة إذن ليست في تحدٍّ دائم مع الإنسان الضعيف، والإنسان أيضاً ليس في صراع مستمر للتغلب على طغيان الطبيعة. أما الحقيقة الثانية فهي أن الكون لم يكشف للإنسان كل أسراره بعد، فعلى الرغم من التسخير والتمكين، إلا أن طائفة أخرى من المُكوِّنات ما زالت غائبة عن إدراك الإنسان أو خارجة عن سيطرته؛ فالكون يضج بالملائكة والجان، وقد يحتوي أيضاً مخلوقات أخرى ليس في مُكنة الإنسان التعرف على حقيقتها أو حتى العلم بوجودها، ووجود الإنسان فيه لا يعدو أن يكون ذرة صغيرة لا تكاد تُذكر أمام عظمة هذا الكون واتساعه.
وبهاتين الحقيقتين تتكامل رؤية المسلم للكون المحيط، فهو مُدرِك تماماً لمكانته المتميزة بين جميع المخلوقات، حيث جعله الله تعالى مركز الوجود الذي تُسخَّر له معظم الموجودات الأخرى، لكي يُعمِّر الحياة بالطاعات والعبادات وفعل الخيرات والبعد عن المنكرات، والاستمتاع بنعم الحق سبحانه وتعالى التي لا تُعد ولا تُحصى، وحمل الأمانة التي كلفنا الله عز وجل كما ينبغي، وبذلك يتحقق الهدف الأسمى لنيل السعادة وتحقيق الأهداف والإيجابية والطموح الذي نسعى لبلوغه في الدارين.



