
السعادة أن تعيش إنسانيتك من خلال الآخرين، بعيداً عن أنانية الانكفاء على الذات أو التضحية المطلقة التي تلغي كيانك. ورغم كثرة الأشياء التي يرى فيها المرء أسباباً للبهجة، فإن السعادة الحقيقية تكمن في قلبٍ عامر بحب الله سبحانه وتعالى؛ حيث يفيض المرء براحة وطمأنينة وقناعة، فلا يلتفت إلى الماديات والممتلكات الدنيوية، مدركاً أن الطمأنينة تكمن في طاعة الرحمن وراحة البال.
وللسعادة وجه واحد، أما التعاسة فتأتي بأشكال وأحجام وأنواع شتى. وأقول دائماً لمن حولي: إن السعادة تنبع من أعمالك ووجودك الإيجابي في الحياة، بينما التعاسة غالباً ما يشتريها الإنسان بجهده حين يدفع من راحته ثمن القلق والتوتر. ورغم تباين الآراء بين مؤيد لهذه المقولة ومنتقد لها تبعاً لتجارب الحياة، فإن هناك قناعة يدركها الجميع، وهي أنك وحدك المسؤول عن إسعاد نفسك أو السير بها في نفق البؤس والحزن الدائم.
الأسوة الحسنة في الزهد والرضا
لقد عاش قدوتنا المصطفى محمد ﷺ حياته كلها في تواضع وزهد وتقشف وورع؛ لم يملك مركباً فخماً ولا منزلاً ضخماً، بل كان يربط الحجر والحجرين على بطنه من الجوع، ويمر عليه الشهر والشهران ولا توقد في بيته نار، وينام على الحصير حتى يؤثر في جنبه الشريف. ورغم ذلك، كان ﷺ أسعد إنسان على هذه البسيطة؛ لأنه كان راضياً كل الرضا بما قسمه الله له، ومستشعراً لعظمة الأمانة التي كلفه بها؛ تلك الأمانة التي عجزت عن حملها السماوات والأرض والجبال، كما قال الله تعالى في سورة الأحزاب:
“إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا” [الأحزاب: 72]
والمقصود بالأمانة هنا هي التكاليف الشرعية والأوامر والنواهي. وقد أشفقت السماوات والأرض والجبال من حملها خوفاً من التقصير في حق الله والتعرض لعقابه، بينما قبل الإنسان هذا التكليف، ووصفه الله بـ “ظلوماً جهولاً” لجهله بعواقب التفريط وظلمه لنفسه.
لقد كرم الله تعالى نبيه الكريم ورفعه أعلى المنازل، فكان سيد ولد آدم وخاتم الأنبياء والمرسلين، وقال الله تعالى في سورة الضحى:
“وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى” [الضحى: 5]
وكان ﷺ يستشعر نعم الله عليه استشعاراً عميقاً، فيقوم الليل مصلياً وشاكراً حتى تتفطر قدماه، وحين سُئل عن ذلك قال: “أفلا أكونُ عبداً شكوراً”.
إن من يظن أن السعادة محصورة في الغنى وكثرة المتاع، ويقارن حاله بمن هو أعلى منه، يورث نفسه ازدراءً للنعم وضيقاً في العيش، مما يؤثر سلباً في إنتاجيته وعمله، ويجعله يعيش في شقاء مستمر. وتأمل في هذا السياق قول الله تعالى في سورة إبراهيم (الآية 7):
“وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ” [إبراهيم: 7]
فالواجب علينا هو الشكر الدائم على نعم الله العظيمة التي لا تعد ولا تحصى، والتي تغمرنا من منبت الشعر إلى أخمص القدمين، في حركاتنا وسكناتنا، وشراييننا وأوردتنا. قال تعالى في سورة النحل: “وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ” [النحل: 18]
وقال في سورة إبراهيم: “وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ” [إبراهيم: 34]
وقد حثنا النبي ﷺ على شكر النعم، فجاء في صحيح مسلم قوله: “انظروا إلى من هو أسفلَ منكم، ولا تنظروا إلى مَن هو فوقكم، فهو أجدرُ ألا تزدروا نِعمةَ الله عليكم”.
يتجلى شكر النعم في مواضع وثنايا عديدة، منها:
الشكر بالقلب: بالإخلاص لله، واستشعار فضله، وتذكر نعمه التي تمنح الطمأنينة عند الحزن.
الشكر باللسان: بالثناء على الله، والإكثار من التسبيح والتحميد والتحدث بنعمه تودداً واعترافاً.
الشكر بالعمل: عبر امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، والمحافظة على النعم بفعل الخيرات.
وتأمل في هذه اللفتة العظيمة والنصيحة النافعة في قول الله عز وجل في سورة طه:
“فاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى” [طه: 130]
عوائق السعادة وركائزها الحقيقية
إن السعادة تبتعد تماماً عن ثلاثة أصناف من البشر:
الأناني: الذي لا يرى في الكون سوى نفسه ومصلحته.
النفعي: الذي يتخذ من “الغاية تبرر الوسيلة” منهجاً، فلا يبالي بحلال أو حرام.
الساخط: غير القنوع بما لديه، دائم النظر إلى ما في أيدي الآخرين.
وفي المقابل، تتلخص ركائز السعادة الحقيقية في محاور أساسية:
الطاعة والارتباط بالله: باتباع أوامره واجتناب نواهيه.
التمسك بالقيم العليا: كالصدق، والأمانة، والمحبة، والتسامح، ونقاء السريرة، والرضا التام بالقضاء والقدر.
الاتزان الذاتي: بتقدير القوة الداخلية، وتحقيق التوازن في أركان الحياة السبعة (الروحي، الصحي، الشخصي, العائلي، المهني، الاجتماعي، والمادي).
السلام الداخلي: بالتسامح غير المشروط، والعطاء دون مقابل، والعيش في الحاضر بأمل وتفاؤل مع تحديد الأهداف السامية وسلوك سبل تحقيقها.
لو كانت السعادة تعني الحياة بلا قلق، لكان أصحاب الهمم الغافلون هم أسعد الناس. فالناس تبحث عن السعادة، بينما السعادة تبحث عمن يستحقها بنقاء قلبه وعمله.
اللهم فقهنا في الدين، واجعلنا هداة مهتدين، وأكرمنا بالتقوى إلى يوم الدين. ونسأل الله عز وجل أن يسدد خطانا للخير والتوفيق. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



