
على امتداد التاريخ، بحثت الحضارات عن السؤال الأكبر: كيف نصنع إنساناً صالحاً قبل أن نصنع دولةً قوية؟ وكيف نبني الضمير قبل أن نبني القوانين؟ وليت هذه الحضارات درست نجاحات سلطنة عمان نموذجاً للحضارة القائمة على القيم.
لقد أنشأت الأمم دساتير، وسنّت قوانين، وأقامت المحاكم والسجون، لكنها ظلت تواجه المشكلة ذاتها: إن القانون يراقب السلوك الظاهر، لكنه لا يملك النفاذ إلى ما يدور في أعماق الصدور ووساوس النفوس.
هنا يبرز القرآن الكريم بوصفه مشروعاً فريداً في التاريخ الإنساني؛ فهو لا يبدأ ببناء الجدران، بل ببناء الإنسان؛ وهو الكتاب الإرشادي الذي لا تنفد كلماته لو صارت البحار حبراً، ولا تبلغه أشجار الأرض لو تحولت أقلاماً.
القرآن الكريم لا يكتفي بتنظيم الأفعال، بل يضبط منابعها في النفس البشرية. وقد وثق لنا رب العزة في كتابه الحكيم وصايا لقمان لابنه، التي تمثل منهجاً تربوياً متكاملاً:
يضبط الصوت: «واغضض من صوتك».
ويضبط المشي: «ولا تمش في الأرض مرحاً».
ويضبط النظر: «ولا تمدن عينيك».
ويضبط الكلمة: «وقولوا للناس حسناً».
ويضبط الفكر: «إن بعض الظن إثم».
ويضبط المعرفة: «ولا تقف ما ليس لك به علم».
ويضبط العلاقات الاجتماعية: «ولا يغتب بعضكم بعضاً».
ويضبط الاستهلاك: «وكلوا واشربوا ولا تسرفوا».
ويضبط حتى ما يختبئ خلف الأبواب: «ولا تجسسوا».
إنه انتقال مدهش من مراقبة السلوك إلى تهذيب مصدره عبر استحضار عظمة الخالق. وفي عالم اليوم، حيث تتسارع الأخبار قبل التحقق منها، وتنتشر الشائعات أسرع من الحقائق، وتتصاعد خطابات الكراهية، تبدو هذه المبادئ القرآنية أكثر حداثة مما يتصور كثيرون، خاصة في عصر التحول الرقمي الذي يقتحم خصوصياتنا.
فالقرآن يعلّم الإنسان أن الحرية لا تعني الانفلات، وأن القوة لا تعني التكبر، وأن المعرفة لا تعني الادعاء، وأن الاختلاف لا يبرر السخرية. إنه يقدم نموذجاً أخلاقياً يجعل الإنسان رقيباً على نفسه قبل أن يخضع لرقابة الآخرين.
وربما تكمن عبقرية القرآن في خطابه للثابت في الإنسان، لا المتغير في الحضارات؛ فالوسائل تتبدل، والتقنيات تتطور، والإمبراطوريات تنهض وتسقط، أما الغرور والحسد والطمع والرحمة والصدق والأمانة، فتبقى جزءاً من الطبيعة البشرية. ولهذا ظل القرآن حاضراً لأكثر من أربعة عشر قرناً؛ لأنه لم يقدّم وصفة لزمان بعينه، بل قدّم مبادئ صالحة لكل زمان ومكان.
إن أعظم إنجاز حضاري ليس تشييد الأبراج ولا امتلاك التكنولوجيا والتسابق عليها، وإنما صناعة إنسان يعرف كيف يستخدم كل ذلك بالعدل والحكمة. ومن هنا يمكن فهم قوله تعالى: «إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم»؛ أي الطريق الأقوم في التفكير، والأقوم في الأخلاق، والأقوم في بناء الذات والمجتمع. فإذا صلح الإنسان، صلح كل ما يصنعه.
لقد علَّمت الحضارات الإنسان كيف يملك القوة ويُشيّد الأبراج، أما القرآن فيعلّمه كيف يهذب هذه القوة بالعدل والرحمة، ليكون شجرة طيبة تثمر خيراً لا أجهزةً صماء.
ولعل من أجمل الشواهد على أثر هذه المبادئ القرية العُمانية، التي كانت مدرسة مفتوحة قبل أن تكون تجمعاً للمنازل والنخيل والأفلاج. هناك، لم يملك الناس وسائل العصر، لكنهم امتلكوا الثقة والاحترام والتراحم. كان الطفل يتربى على مخافة الله في السر والعلن، وتوقير الكبير، والصدق قبل الكتابة، والأمانة قبل التجارة. كانت المجالس مدارس للأدب، والمساجد منارات للتزكية، والأفلاج شرايين حياة تجمع القلوب.
لم تكن هذه القيم وليدة قوانين مكتوبة، بل كانت ثمرة قيمٍ قرآنيةٍ عاشت في النفوس، تحولت من آيات تُتلى إلى سلوك يُرى. وهكذا، لم تُعرف القرية العُمانية بكثرة أبراجها، بل بإنسانها الذي أدرك أن قيمة العمران لا تقاس بارتفاع الجدران، بل بارتفاع الأخلاق.
إن الحضارات تستطيع أن تبني الأبراج، لكن القرآن يبني الإنسان الذي يعرف كيف يستخدم القوة بعدل، والثروة بأمانة، والعلم بحكمة. وإذا كان بناء الحجر يحتاج إلى مهندس، فإن بناء الإنسان يحتاج إلى هداية. فإذا صلح الإنسان، صلح البيت، والقرية، والوطن، وما يصنعه الإنسان بيده.


