
في عصر أصبحت به وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا من حياتنا اليومية، تغير مفهوم الخصوصية لدى كثير من الناس. فبينما يرى البعض أن مشاركة لحظات من حياتهم أمر طبيعي، يعتقد آخرون أن مجرد نشر تلك اللحظات يفتح الباب للتعليق والانتقاد وإصدار الأحكام. وهنا يبرز سؤال مهم: أين تنتهي حرية الفرد في مشاركة حياته، وأين يبدأ احترام خصوصيته؟
أرى أن مفهوم الخصوصية أصبح يُستخدم بطريقة خاطئة عند كثير من الناس، فبمجرد أن ينشر شخص صورة أو مقطعًا من مناسبة عائلية يبدأ البعض بإطلاق الأحكام وكأن من حقهم التدخل في حياة الآخرين.
من وجهة نظري، الخصوصية لا تعني أن يمنع الإنسان نفسه من مشاركة لحظاته الجميلة، بل تعني أن يكون له الحق في اختيار ما يريد أن ينشره وما يريد أن يحتفظ به لنفسه. فإذا كانت الأسرة راضية بما نُشر ولم يكن فيه ما يخالف الدين أو الأخلاق أو الذوق العام، فلا أرى أن لأحد الحق في انتقاد ذلك أو اعتباره تجاوزًا للخصوصية.
ما أراه اليوم هو أن المشكلة ليست في النشر، وإنما في نظرة بعض المتابعين الذين يعتقدون أن رؤية شيء في وسائل التواصل تمنحهم الحق في التعليق والتأويل والحكم على الناس، بينما الاحترام الحقيقي يبدأ من معرفة أن حياة الآخرين ليست ساحة مفتوحة لآرائنا.
أؤمن أن كل إنسان حر في مشاركة ما يخصه ضمن حدود الاحترام، وأن الواجب على الآخرين هو احترام هذا الاختيار لا تحويله إلى مادة للنقد أو الحسد أو التدخل. فليس كل ما نراه يعنينا، وليس كل ما لا يعجبنا يستحق أن نتحدث عنه.
نحن بحاجة إلى أن نعيد فهم معنى الخصوصية؛ فهي لا تُحفظ بمنع الناس من التعبير عن أفراحهم، وإنما تُحفظ باحترام حدودهم واحترام حقهم في أن يعيشوا حياتهم بالطريقة التي يختارونها دون وصاية أو أحكام من الآخرين.


