دلالات التحول في لغة الدبلوماسية العُمانية.. قراءة تاريخية في الرسائل السياسية عبر العصور
مسقط: سعيد النعماني

أقامت الجمعية التاريخية العُمانية بحضور رئيس مجلس إدارتها السيد نوح بن محمد البوسعيدي ولفيف من الباحثين والأكاديميين والمهتمين بالمشهد التاريخي والثقافي محاضرة متخصصة تحت عنوان “الخطاب اللغوي في الرسائل الدبلوماسية العُمانية عبر التاريخ” قدمتها الدكتورة منى القرطوبية وجاءت هذه الندوة لتسليط الضوء على زاوية نوعية في دراسة التاريخ العُماني تدمج بين اللسانيات والعلوم السياسية وتفكك جينات الخطاب الذي أدارت به عُمان علاقاتها الدولية على مر القرون.
سعت الندوة عبر محاورها إلى تحقيق جملة من الأهداف الاستراتيجية في مقدمتها تحليل الخصائص الأسلوبية واللغوية التي ميزت الخطاب الدبلوماسي العُماني والكشف عن العلاقة البنيوية الوثيقة بين توظيف المفردة وإدارة الموقف السياسي كما تتبعت الندوة المنعطفات التاريخية التي شكلت لغة هذا الخطاب مع إبراز دور القوة الناعمة المتمثلة في اللغة في بناء جسور التواصل الدولي وترسيخ مكانة الدولة عالمياً.
وأكدت الدكتورة منى القرطوبية في ورقتها العلمية أن الخطاب الدبلوماسي يمثل أحد أعمق تجليات التمازج بين اللغة والسياسة فاللغة في أروقة الدبلوماسية وسيلة فاعلة تعيد صياغة المواقف وبناء العلاقات الدولية وتوجيهها وأوضحت أن التاريخ السياسي لسلطنة عُمان يبرهن على وجود وعي مبكر بأهمية النبرة المتزنة حيث اتسمت الرسائل العُمانية عبر مختلف العصور بالاعتدال واحترام الآخر والابتعاد عن لغة التصعيد مما جعلها انعكاساً أصيلاً لقيم الحكمة العُمانية.
واستعرضت الباحثة هذا التطور عبر تتبع أربعة مفاصل تاريخية كبرى شكلت الهوية الأسلوبية للرسالة العُمانية بدأت بمرحلة ما قبل الإسلام التي اتسمت بلغة نفعية برغماتية مباشرة وواضحة الأهداف تبتغي تأمين خطوط التجارة البحرية وحماية القوافل وتبادل المنافع المشتركة مع الممالك المجاورة مروراً بالعصر الإسلامي المبكر الذي تميز بالإيجاز الشديد والوضوح التام وقوة الحجة والبرهان اللغوي مما أسس لبروز ملامح خطاب تفاوضي ناضج يعتمد الحوار والتفكير المتزن في التعامل مع الرسائل والوفود السياسية.
وصولاً إلى مرحلة عهود الإمامة حيث تمازج اللفظ الفقهي بالسياسي واتخذ الخطاب مفردات أخلاقية كالعدل والحق والإنصاف سعياً نحو الإقناع الأخلاقي وتقديم النصح والدعوة بدلاً من الاعتماد على صيغ الإلزام المباشر أو التهديد بينما شهدت مرحلة الدولة البحرية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر توازناً دقيقاً بين تأكيد السيادة الإمبراطورية والالتزام بلغة اللباقة والبروتوكول لإدارة شبكة واسعة من المصالح والتفاهمات الدولية مع القوى الإقليمية والعالمية الكبرى آنذاك.
وانتقلت الورقة العلمية بعد ذلك إلى تحليل القفزة النوعية التي شهدها الخطاب الدبلوماسي العُماني في العصر الحديث وتحديداً منذ عام ألف وتسعمائة وسبعين ميلادية حيث بينت الدكتورة منى أن الخطاب تحول من النمط التقليدي المرتبط أحياناً بأسلوب الكاتب أو كاريزما الصياغة الفردية إلى طابع مؤسسي منظم ومنضبط أصبحت الرسائل الدبلوماسية والسياسية بموجبه تصدر عن الدولة ومؤسساتها الرسمية وفق محددات وثوابت واضحة لا تبديل فيها وركزت الندوة في هذا السياق على ملمح أسلوبي غاية في الأهمية ميز السياسة الخارجية العُمانية الحديثة وهو الغموض الاستراتيجي الموظف لغوياً بعناية فائقة حيث يعتمد هذا الأسلوب على انتقاء مفردات تتسم بالحياد والاتزان تتيح للمواقف الرسمية أن تحتفظ بمسافات أمان كافية تمنع تأويل المواقف بشكل تصعيدي وتمنح صانع القرار السياسي مرونة الحركة وهامشاً واسعاً للمناورة والدبلوماسية خلف الكواليس بما يخدم مباشرة دور عُمان التاريخي والحديث كواحة للحوار والوساطة وحسن الجوار في المنطقة.
وخلصت الندوة في ختامها إلى أن الخطاب الدبلوماسي العُماني يمثل نموذجاً أكاديمياً وسياسياً متميزاً في كيفية تحويل اللغة من أداة وصفية ناقلة للأخبار إلى أداة استراتيجية سيادية تسهم بفعالية في إدارة الأزمات وصناعة السلام الدولي مؤكدة أن استقرار المواقف السياسية العمانية عبر التاريخ إنما هو ثمرة طبيعية لاستقرار فلسفتها اللغوية المرتكزة على قيم الحوار العقلاني والرزانة الأسلوبية.




