السعودية… الأمير تركي الفيصل: الثقافة العربية مشروع للحوار وحفظ الهوية وبناء الحضور الإنساني
تونس: التكوين

أكد صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، أن الثقافة العربية لا ينبغي أن تنغلق على ذاتها أو تضيق بالحوار، بل تبدأ من الانتماء إلى الوطن مع الانفتاح على العالم، وترى في العمل العربي مصيرًا مشتركًا، مشددًا على أن التربية والثقافة والعلوم تمثل معًا مشروعًا عربيًا قادرًا على توظيف التراث ومكتسبات العصر لبناء حضور إنساني فاعل يقوم على قيم العدالة والإنصاف.
وجاء ذلك في محاضرة ألقاها سموه بعنوان: «رسالة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية في خدمة الثقافة العربية»، اليوم الجمعة، بمقر المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) في تونس، ضمن برنامج زيارته للجمهورية التونسية، والتي شهدت تدشين «كرسي الصنائع العربية والإسلامية» المشترك بين الألكسو ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية.
وأشار سموه إلى أن الثقافة العربية كانت، عبر تاريخها، جسرًا بين المشرق والمغرب، وحاضنةً للمعرفة والعمران، مستحضرًا الإرث الحضاري لتونس وما شهدته من إسهامات فكرية وثقافية كبرى، وما تمثله القيروان والزيتونة وقرطاج من حضور راسخ في تاريخ الثقافة العربية، إلى جانب إسهامات أعلام تونس ومفكريها في بناء الوعي العربي والإسلامي، مؤكدًا أن انعقاد المحاضرة في مقر الألكسو يحمل دلالة رمزية تجمع بين البعد العربي والرسالة الإنسانية للثقافة.
كما شدد على أن الدفاع عن الثقافة العربية لا ينفصل عن الدفاع عن الإنسان وكرامته، وعن حق الشعوب في الحفاظ على روايتها وتسميتها للأشياء بأسمائها، معتبرًا أن الدفاع عن المروية العربية والحق الثقافي في تسمية الأشياء بأسمائها جزء من الدفاع عن الإنسان العربي وكرامته.
وأكد الأمير تركي الفيصل أن القضية الفلسطينية ستظل حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي والإنساني، واصفًا فلسطين بأنها «ذاكرة عربية وجرح مفتوح في الضمير العالمي»، ومشيرًا إلى أن حماية الإنسان لا تنفصل عن حماية تاريخه وثقافته وذاكرته، وأن صون الأرض يرتبط بصون الكتاب والحكاية والهوية.
وتناول سموه رسالة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، موضحًا أن المركز أُسس للإسهام في خدمة قضايا العرب والمسلمين، وفتح أبوابه للباحثين من مختلف أنحاء العالم العربي والإسلامي دون تمييز أو إقصاء، انطلاقًا من الإيمان بأن الثقافة والمعرفة والحوار أدوات أساسية لبناء التضامن الإنساني وتعزيز التواصل الحضاري، ورؤية تؤمن بأن التضامن العربي ليس شعارًا عابرًا، بل عمل معرفي ومؤسساتي يقوم على الحوار وبناء الجسور الثقافية.
كما استعاد سموه جانبًا من رؤية الملك فيصل بن عبدالعزيز -رحمه الله -، مؤكدًا أن الأمة التي لا تحمل مشروعًا ثقافيًا لا تستطيع أن تحمل مشروعًا سياسيًا عميقًا، مستشهدًا بمضامين خطاب الملك فيصل أمام مجلس الأمة التونسي عام 1386هـ/1966م، وما تضمنه من دعوة إلى ترسيخ الأمن والسلام والعدالة، ونبذ الأطماع والتدخل في شؤون الآخرين، والاحتكام إلى القيم الدينية والإنسانية المشتركة في بناء المستقبل.
وأوضح الأمير تركي الفيصل أن نصرة القضايا الكبرى تحتاج إلى وعي وتعليم وإعلام ومؤسسات ثقافية تحفظ التراث وتخاطب العالم بلغة العصر، مشيرًا إلى أن «مؤسسة الملك فيصل الخيرية» انطلقت بعد استشهاد الملك فيصل بعام واحد، قبل أن ينبثق عنها مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية عام 1403هـ/1983م، ليكون امتدادًا عمليًا لرسالة العلم والحوار وبناء الجسور بين الثقافة العربية والعالم.
وأشار سموه إلى أن الكتاب العربي ظل عبر التاريخ بيتًا للعقل، وذاكرةً للمدينة، وسجلًا للعلم، بما تحمله صفحاته من آثار العلماء ورحلات النسخ والتداول والمعرفة.
وتحدث سموه عن عناية المركز بالمخطوطات والتراث العربي والإسلامي، مبينًا أن المركز يضم أكثر من ثمانية وعشرين ألف عنوان مخطوط أصلي، إلى جانب عشرات الآلاف من المخطوطات المصورة، تغطي مجالات متنوعة تشمل علوم القرآن والحديث والفقه واللغة والأدب والفلسفة والطب والفلك والرياضيات، كما تخضع المخطوطات داخل المركز لمنظومة علمية متكاملة تشمل الفحص والترميم والتعقيم والتصوير الرقمي والفهرسة العلمية قبل إتاحتها للباحثين، بما يضمن حفظها وصيانتها وإتاحتها وفق أسس علمية دقيقة.
واستعرض الأمير تركي الفيصل عددًا من النوادر التي يحتضنها المركز، من بينها نسخة فريدة من كتاب «أخبار النساء» لأسامة بن منقذ، ونسخة أندلسية نادرة من «مقامات الحريري»، إضافة إلى مخطوطات مبكرة تمثل قيمة علمية وتاريخية رفيعة في التراث العربي والإسلامي.
وقال الأستاذ الدكتور محمد ولد أعمر، مدير عام المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، أثناء تدشين كرسي الصنائع العربية والإسلامية، إن زيارة الأمير تركي الفيصل تمثل علامة مضيئة في تاريخ المنظمة، مشيرًا إلى ما يضطلع به مركز الملك فيصل من دور معرفي وثقافي يجمع بين حفظ التراث، والعمل المتحفي، والبحث العلمي، والنشر الورقي والرقمي، والمناظرة الفكرية الرصينة، ضمن منظومة معرفية متكاملة تخدم الثقافة العربية وتفتح آفاقًا أوسع للتعاون العربي المشترك.
وأكد أن التعاون بين الألكسو ومركز الملك فيصل شهد خلال الفترة الماضية نقلة نوعية، توّجتها مذكرات التعاون المرتبطة ببرنامج «المروية العربية» و«كرسي الألكسو للصنائع العربية والإسلامية»، لافتًا إلى أن محاضرة الأمير تركي الفيصل ضمن برنامج المحاضرات الشرفية للمنظمة تمثل إضافة نوعية إلى سجلها، لما تحمله من رؤية ثقافية سعودية رائدة في خدمة الثقافة العربية والعمل العربي المشترك.




